الحجر الصحي الدائم في غرفتي وبغداد... سجن من نوع آخر

رصيف 24

الحجر الصحي الدائم في غرفتي وبغداد... سجن من نوع آخر

  • منذ 1 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:
شكّلت معايشة الحجر الصحي بالنسبة للكثيرين إزعاجاً لا يحتمل، حاول البعض تخطي الأزمة بتغطيتها بإنجازات وهمية وأخرى حقيقة.
أما الآن، وقد انتهى الحجر والحياة تحاول العودة إلى ماهيتها الأولى، لا زلتُ عالقة في محاولة استعادة تلك الأيام.
فكما فعل "أدسو" ومعلمه "غاليالمو" حينما حاولا رسم المكتبة من الخارج، بعد أن وجدا صعوبة في رسمها من الداخل، أو كما تحدث آلن دو بوتون، عن تجربة نوح البصرية في عزلته التي طالت أربعين يوماً، مارست عيناه ألعاب الذكرى لاستعادة ألوان الحياة البرية، بعيداً عن عزلة المياه.
البعض منا يعيش حجراً صحياً دائماً حتى قبل تفشي الفيروس في دولته، حجر صحي طوعي تجنباً لمشاكل خارجية وأزمات داخلية.
الحياة لن تتوقف بسبب بضعة آلاف ماتوا أو خسروا وظائفهم، تطلقوا أو قتلوا أو اغتصبوا.
غرفتي بغداد صغيرة. كلاهما بالنسبة لي سجن من نوع آخر، يجبرانني على الاستسلام مختنقة بحدود تضيق دائماً، وبلون رمادي أو ربما برتقالي، يجبرك على إشاحة البصر.
يقول البعض إنهم مسلوبو الحقوق، وتتردد شعارات مشابهة بين الجيل الشاب، لفرط الأمنيات بحياة بسيطة، جلّ ما فيها مطالب عادية، وبهذا تتعاظم السخرية وتعاود عبارات مستهلكة النهوض بنفسها، من قبيل: أحلامنا هنا، حقوق في دول العالم الأول أو حياتنا ضائعة بسبب الرقعة الجغرافية... وهلم جراً.
لن أخالف التيار بادعاءات نمطية ولن أسير معه خاضعة لحكم الأغلبية، فأنا أعيش داخل رأسي منذ زمن بعيد، زمن الوعي الأول، حينما تكوّنت الفكرة المستقلة للسؤال، وببراءة الطفولة شاركت الفكرة مع أهلي، والذين، بطبيعة الحال، يشكّلون مصدر المعرفة الأول لطفلة بعمر الرابعة أو أصغر.
صُد سؤالي بعنف مخلوط بالخوف وبعض اللامبالاة، تركيبة غريبة، ولكنها هكذا تتراءى لي وأنا أحاول استعادة ملامح وجه أمي في ذلك اليوم، حينما طرحت السؤال للمرة الأولى... وكان هذا الدرس الأول: "لا تسألي الكبار"، ثم تعلمت الخوف، بادئاً من التفكّر وربما أخيراً من التمني، وبعدها درس: فعل ما أريد بعيداً عن أعين الآخرين. وهكذا تتالت الدروس المحملة بصفات سيئة، ستجرّ خلفها الكثير من الأخطاء اللاحقة.
إذن نحن، أو لأقل أنا، عشت في حجر صحي نظري إن جاز التعبير، وما فعلته في واقع أمر هذه السنة تحديداً، هو تطبيق لكل ما تعلمته في سنواتي السابقة.
أعتقد أن الموضوع يتطلب بعض الشجاعة للاعتراف: اليوم نحن نرتدي الكمامات، والبارحة كنا نغني سرّاً.
إذن نحن، أو لأقل أنا، عشت في حجر صحي نظري إن جاز التعبير، وما فعلته في واقع أمر هذه السنة تحديداً، هو تطبيق لكل ما تعلمته في سنواتي السابقة. أعتقد أن الموضوع يتطلب بعض الشجاعة للاعتراف: اليوم نحن نرتدي الكمامات، والبارحة كنا نغني سرّاً
اليوم، نتجنب الاختلاط ونحافظ على مسافات مفروضة من قبل منظمات الصحة، والبارحة كان علينا أن نختلي ببعض الأشخاص بعيداً عن أعين الأعراف والتقاليد، ونحافظ على مسافتنا معهم في الأماكن العامة، لكيلا نغضب الشارع.
اليوم، نعقم أيدينا بكثرة، والبارحة كنا نحشرها في عيوننا محاولين اقتلاع اليأس، فتتشنج فكوكنا لترسم ابتسامة بالضرورة، نقابل بها الآخرين.
لا فرق بالنسبة لي بين البارحة واليوم، الأحداث تتكرر بتتابع مدروس والعجلة تعيدنا دائماً لذات النقطة، نقترب من البداية ولا نصل.
ومع انتهاء الحجر وعودة الحياة إلى طبيعتها، نعرف حقيقة العبارة القائلة: إن الحياة لا تقف على أحد. إنه أمر بديهي ومتوقع، ولكننا نحتاج لمعايشته فعلياً لنستحصل تذكرة استخدامه بصدق.
الحياة لن تتوقف بسبب بضعة آلاف ماتوا أو خسروا وظائفهم، تطلقوا أو قتلوا أو اغتصبوا.
ولن تتوقف إذ ما انحنى عنقك وتدلى رأسك وسط غرفتك المفتعلة، من على الخطاف الذي يحمل المروحة السقفية، مصدر الإثارة الوحيد الموجود في عالمك. سيغني رأسك طويلاً قبل أن يسكت أخيراً وإلى الأبد، والعالم في الخارج يستمر حتى النهاية المتجددة. تتجمد شفتاك، وعيناك شاخصتان إلى أحلام غير محققة.
ربما سيُكتشف رأسك قبل أن تجف ملامحك وتختفي، وسيتذكر أحدهم أنك اختفيت في اليوم الذي سُمع فيه غناء غريب، وسيقولون إنك صاحب الرأس الذي يغني، سينتهي الأمر وتخف الضجة حولك، وعيناك الميتتان مفتوحتان أبداً على السماء المضيئة، خاليتان من القدرة على الإبصار.
متباعد إذن في قبرك، عن الجسدين المضجعين إلى جانبيك، مكمم حتى أخمص قدميك، فارغ كما يودك الجميع أن تكون. مستور منذ الأزل.
ماذا فعلت خلال الحجر الصحي المفروض؟ لم أفعل شيئاً. تجمّدتُ على السرير ساعات طويلة، أحدق في الحائط أمامي، حيث المكتبة مليئة بكتب لم أقرأها، تتقافز نظراتي بينها متجاهلة العناوين، أتشبع بالألوان وحسب، وكأنني بهذا الفعل أخطف من حياتي ساعات طويلة من اللاجدوى
ماذا فعلت خلال الحجر الصحي المفروض؟ لم أفعل شيئاً. تجمّدتُ على السرير ساعات طويلة، أحدق في الحائط أمامي، حيث المكتبة مليئة بكتب لم أقرأها، تتقافز نظراتي بينها متجاهلة العناوين، أتشبع بالألوان وحسب، وكأنني بهذا الفعل أخطف من حياتي ساعات طويلة من اللاجدوى، ومع كل لون أمارس حيلة الإبصار، أي أنني، وإلى حد ما، خجلى من هذا الوجود.
ولكني فعلت الكثير فور انتهائه، فحجري الصحي النظري الذي اعتدت عليه، كان دائماً هو الحياة المكبلة إليها بلا رحمة، ومعها فقط، أستطيع أن أمارس بهدوء، عزلتي المُحَقِقة بالضرورة لجلّ إنجازاتي.
* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين