ما بعد المواجهة.. المكاسب الوطنية وفرص البناء عليها

شبكة قدس الاخبارية

ما بعد المواجهة.. المكاسب الوطنية وفرص البناء عليها

  • منذ 4 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:

تأتي الانتفاضات الكبيرة والثورات بعد مجموعة من الهبات الصغيرة التي توضح الرؤية وتشكل الأقطاب وتظهر من خلالها نقاط الضعف للنظام أو السلطة القائمة بالاحتلال ونقاط القوة للجماهير الثائرة التي تعيد اكتشاف ذاتها من خلال هذه الأحداث الصغيرة والمناوشات فيتشكل الوعي وتتطور أساليب المواجهة من خلال تجربة التعرض لأساليب القهر والقمع المستخدمة من السلطة فتمهد الطريق بذلك لمواجهة أكبر أو حرب شاملة بعد تشكل الوعي والرموز ونموها خلال المواجهة وما بعدها من أساليب التأديب ومحاولة اجتثاث جذور الثورة قبل نموها.

وفي تاريخ مواجهة الشعب الفلسطيني للاحتلال تكرر هذا النموذج عدة مرات فكانت الانتفاضة الأولى تتويجا لمواجهات وإضرابات سبقتها في السبعينات وبداية الثمانينات، كما سبقت الانتفاضة الثانية هبة النفق 1996، وعمليات المقاومة خلال التسعينات فانعكست على شكل انتفاضة الأقصى فكان اقتحام الأقصى عام 2000 الشرارة التي أشعلتها  نتيجة تنامي الوعي لخطورة الإجراءات الاحتلالية في الأقصى ومحاولات التهويد فارتبطت الانتفاضة بالأقصى، وكانت أساليب المقاومة المعتمدة على التفجيرات في عمق المدن المحتلة ومهاجمة طرق المستوطنات قد نمت وتطورت في التسعينات وما تخللها من خبرات في المطاردة والتخفي، فكانت الأداة التي طورت واستخدمت في السنوات الأولى من الانتفاضة الثانية. 

ومواجهة آيار الحالي كانت تتويجا لمواجهات أخرى سابقة لها بداية من مشروع برافر مرورا بصمود أهالي التجمعات المدمرة مرارا في النقب والضفة الغربية والهبة التي تلت جريمة قتل الطفل محمد خضير وحرب 2014، وهبة 2015 التي تميزت في عمليات الدهس والطعن والاشتباكات الواسعة في نقاط التماس في الضفة العربية،  والهبات المتتالية في القدس من البوابات الإلكترونية وأحداث باب الرحمة ومؤخرا معركة باب العامود والتضامن مع أهالي حي الشيخ جراح، إلى جانب الأحداث في مدينة أم الفحم في بدايات العام الحالي، فطورت الجماهير الفلسطينية أساليب مواجهتها كل في مكانه وحسب الظروف المتاحة ضمن التقسيمات الاستعمارية، ثم وجهت هذه الأساليب دفعة واحدة وبشكل عفوي نحو الاحتلال، أربكت قيادة الاحتلال وفاجأت الجميع، والأهم أن هذا التحرك الجماهيري أفسد على الاحتلال استراتيجيته المعهودة في الاستفراد بكل مكان تواجد للشعب الفلسطيني على حدى.

مكاسب على عدة مستويات

الهدف هنا في هذه السطور الحديث عن المكاسب العامة وكيفية البناء عليها فكان أول وأهم المكاسب هو تجاوز الجغرافيا الاستعمارية التي يفرضها الاحتلال من خلال تقسيم التواجد الفلسطيني في مساحة فلسطين التاريخية إلى أربع فئات يتحكم بكل من منها من خلال أدوات سيطرة وقهر مختلفة، وبالتالي لكل فئة ظروف وطريقة تعامل مختلفة، وبالتأكيد هم يومي وآني مختلف ما يسهل على الاحتلال الاستفراد في كل فئة والتعامل مع أي توتر فيها، لكن الشعور الجماهيري المشترك والمفاجئ هو ما غير المعادلة، وهذا الشعور هو نتيجة ارتباط المحرك الرئيس للمواجهة بالمسجد الأقصى، فكان الهم عاما يشعر كل شخص بالمسؤولية الفردية وهذا الارتباط بالمسجد الأقصى عمل على  لفت أنظار الشعوب العربية والإسلامية خلال المواجهة وإعادة القضية الفلسطينية إلى مكانها الطبيعي، وهذه مكسب هام وارتباط وجداني قوي يمكن البناء عليه.

 والمكسب الثاني هو خروج غزة منتصرة وأكثر ردعا من المواجهة، فقد تمكنت المقاومة من تغيير قواعد الاشتباك لصالحها من خلال المبادرة بالهجوم بدلا من الصد كما في المرات السابقة، ومن فرض وجود لغزة في  التصدي المباشر لمحاولة تهويد القدس والاعتداءات على المسجد الأقصى، بالإضافة إلى الإثبات الفعلي والعملي لقوة الردع في غزة التي تنامت خلال السنوات التي تلت الحرب الأخيرة، عن طريق كثافة القصف باتجاه الأراضي المحتلة وتأثير هذا القصف، ومن خلال عدم تجرؤ قيادات جيش الاحتلال على الدخول في حرب برية مع القطاع، وإثبات صلابة الوحدة والتنسيق بين فصائل المقاومة، بالإضافة إلى الانضباط والتنظيم الذي أصبح يقارب الجيوش النظامية.

المكسب التالي من وجهة نظري هو تراجع خطاب مقاومة اللاعنف في الضفة الغربية أمام الاختبار العملي والذي حاولت السلطة الفلسطينية تثبيته خلال السنوات السابقة، فهتفت الجماهير في الضفة الغربية للمقاومة المسلحة، وفعلت نقاط الاشتباك بشكل أوسع من المعتاد، بالإضافة إلى بيانات التهديد من مسلحين في الضفة أعادت إلى الأذهان مشاهد الانتفاضة الثانية، والاشتباك المسلح في عدة نقاط كما حصل عند مدخل البيرة يوم الإضراب الوحدوي الكبير بتاريخ 2021/5/18، وهو ما شكل عاملا حاسما في تسريع إنهاء الحرب على غزة، بسبب تخوف الاحتلال من انزلاق الأمور في الضفة إلى شكل يصعب إعادة ضبطه، الأهم هنا أن هذا الأمر فتح الاحتمالات أمام عودة المقاومة المسلحة في الضفة الغربية في أي مواجهة قادمة.

ومن المكاسب المهمة أيضا عودة القضية الفلسطينية إلى مكانها الطبيعي كقضية مركزية تستوجب الاهتمام والتضامن ومحاولة الانتصار لها لدى جماهير الأمة الاسلامية والعربية، ويعود ذلك إلى مكانة المسجد الأقصى الدينية كباعث عقائدي ووجداني لا يتأثر بموجات التطبيع، وبشكل أساسي أيضا إلى الذاكرة الجمعية لدى الأجيال من التضامن مع الأحداث السابقة في فلسطين، وإلى شعور الجماهير بنفسها وتأثيرها لما حملته الثورات والحراكات المختلفة في البلدان العربية من تجارب ووعي عام بإمكانية التأثير، وقد تجلى هذا الاهتمام بشكل أساسي في حملات التضامن الإلكترونية التي رافقها تثقيف عام بالقضية من قادة الرأي والمثقفين، إلى جانب الزحف الجماهيري نحو الحدود الأمر الذي أربك قيادة الاحتلال.

شكل هذا الاهتمام والتضامن دفعة وعي للأجيال الناشئة في الدول العربية يمكن البناء عليها تثقيفيا، كما أن الاهتمام الشعبي انعكس على تضامن رسمي من الأنظمة العربية بهدف مجاراة الأحداث والتخفيف من الاحتقان الشعبي، كما ظهر بشكل واضح من الموقف الرسمي والإعلامي المساند للنظام في مصر، وكما ظهر في مجالس النواب في الأردن والعراق والكويت وغيرها، والأمر الهام هنا أن هذا التضامن الشعبي الضاغط على الأنظمة يمكن أن يساهم في حصار خطاب التطبيع الموجه للشعوب العربية في السنوات الأخيرة ويساهم في تفعيل المقاطعة ودفع النظام الرسمي العربي إلى التردد في الدخول بأي اتفاقات مع دولة الاحتلال.

ولا يمكن التغافل عن اعتبار ارتفاع التضامن في الدول الغربية مع فلسطين جزء من المكاسب، وإن كان أقل المكاسب أهمية بالنسبة لي والتعويل دائما على الفعل المقاوم الفلسطيني والدعم والإسناد العربي الإسلامي، لأن القضية تعنينا بالأساس كمسألة وجودية في مواجهة استعمار استيطاني، إلا أن هذا التضامن الدولي والمظاهرات الكبيرة في عواصم أوروبية ومدن أمريكية يساهم في إحراج دولة الاحتلال ويعكس فشل الرواية الصهيونية والإعلام الإسرائيلي بشكل غير مسبوق.

شكلت هذه المواجهة دفعة معنوية غير مسبوقة جعلت الحديث العام عن أن تحرير فلسطين من النهر إلى البحر ليس حلما بعيد المنال وأنه ممكن حثا، ودفعت الداخل الإسرائيلي إلى المزيد من الانقسام السياسي والاستقطاب الحزبي خاصة بعد سقوط حكومة اليمين بقيادة الليكود، ودفعت سلطات الاحتلال إلى المزيد من الرعونة والقمع كما ظهر في حملات الاعتقال الواسعة في القدس والضفة الغربية والداخل المحتل وإلى الشعور بالتهديد من أبسط الأفعال والرموز.

فرص البناء على مكاسب الجولة

لكن كيف يمكن الاستثمار في مكاسب هذه المواجهة والبناء عليها لتحقيق أهداف متوسطة وبعيدة المدى، حتى لا يكون ما حصل مجرد انفعال عاطفي يزول مع تراجع حدة المواجهات أو مجرد "ترند" تصدر وسائل التواصل لفترة ما وانتهى.

ربما يمكن القول إن المواجهة انتهت مع نهاية الحرب على غزة ودخول المقاومة والاحتلال في وقف إطلاق للنار والتوجه نحو الحديث عن الإعمار في غزة وبداية جولة من المفاوضات لإتمام صفقة التبادل والتي ستشكل الحرب الأخيرة دافعة لتسريعها خاصة مع بحث قيادة الاحتلال عن بديل للفشل في غزة يتمثل في إعادة الجنود المحتجزين في القطاع وهو ما أكدته تصريحات من الحكومة الإسرائيلية الجديدة. لكن تبقى الفرصة سانحة لحدوث هبات في الداخل المحتل والقدس خاصة مع استمرار الاقتحامات للمسجد الأقصى، واستمرار القمع وبقاء مسألة التهجير والضغط على الشيخ جراح وحي سلوان قائمة، واستمرار الاعتداءات من المستوطنين في الداخل، بالإضافة إلى ما حملته أحداث مايو من نقلة في العلاقات في الداخل ما سيؤدي إلى رفع الجانب الوطني لدى الفلسطينيين على حساب الأسرلة ووهم التعايش وهو ما يعني بطبيعة الحال المزيد من الاحتكاكات مع المستوطنين وشرطة الاحتلال.

ويمكن الاستثمار في جانبين الأول على مستوى الوعي والتثقيف والثاني على مستوى التنظيم الثوري بما يتناسب مع الواقع الجديد وظروف كل منطقة بهدف الحفاظ على قاعدة عدم استقرار الاحتلال في أي تجمع فلسطيني والدفع إلى المزيد من تحصيل القوة بهدف تفكيك أدوات القمع الاستعماري.

أما جانب الوعي والتثقيف فيكون على المستويين الداخلي في فلسطين التاريخية والخارجي في الدول العربية والعالم، وذلك من خلال عقد الندوات والمؤتمرات المعرفة بالقضية بهدف التعبئة والتحشيد لنصرة القضية ماديا ومعنوياً في الخارج، وقد بدأ هذا في بعض الدول العربية بطابع شعبي وحزبي بالإضافة إلى حملات تثقيفية ودورات تعريفية بالقضية تستهدف بالأساس الأجيال الشابة والناشئة بهدف منع التزييف من خلال الروايات الصهيونية والتطبيعية وتشكيل بنية تحتية لدعم القضية في أي مواجهة مستقبلية. ولا يخلو هذا الأمر من الاستمرار في حملات المقاطعة الاقتصادية والإلكترونية بهدف حصار الرواية الصهيونية.

أما الجانب الثوري والعمل على الأرض الأولوية فيه لبحث سبل التواصل والتشبيك بين أماكن تواجد الشعب بما يحافظ على الهم المشترك وعدم استفراد الاحتلال بجزء من الشعب حسب التقسيمات المفروضة، ويمكن من خلال دراسة أبعاد الجولة السابقة استخراج آليات جديدة للمقاومة من خلال الطابع الشعبي الجماهيري فيتشكل دعوات لتنظيم مجموعات ثورية شعبية بطريقة غير هرمية تتجاوز الأحزاب والتنظيمات التقليدية، فيكون في كل تجمع أو قرية أو حي فلسطيني لجان أو (تنسيقيات) ثورية بهدف تنظيم المسيرات ولجان حراسة وإسناد في المناطق المتاخمة للمستوطنات ويكون هناك تعاون طبيعي بحكم الجغرافيا بين اللجان المتقاربة في مناطق عملها بهدف تنظيم النشاطات المشتركة وتشكيل  نظام (للفزعات) والحماية يضمن الإسناد السريع وصد هجمات المستوطنين والتخفيف من أثر الاعتداءات.

مع ضرورة أن تكون هذه اللجان شعبية للعمل بشكل فردي وعفوي لا يضمن استمرار الزخم ولا التخطيط السليم طبقا لظروف كل منطقة وخبرات أهلها، والعمل الرسمي لهذه اللجان يفقدها الطابع الشعبي ويعيق عملها البيروقراطية والتحولات في المصالح السياسية، كما أن العمل التنظيمي التقليدي الهرمي يمكن أن يكون أكثر انكشافا وربما يطغى عليه التنافس الحزبي مع التأكيد أن مثل هذه تجربة في حال حدوثها ستتكون بشكل أساسي من شبان محسوبين على التنظيمات ولهم تجارب في العمل الحزبي والتنظيمي.

تبقى فكرة اللجان أو التنسيقيات الثورية "طرح أولي" يحتاج إلى دراسة التجارب المشابهة من التاريخ النضالي الفلسطيني مثل تجارب الانتفاضة الأولى. وتجارب ثورية خارجية أو يمكن تفعيل المقاومة الشعبية بطرق أكثر فاعلية وأكثر مناسبة لكل منطقة أو تجمع فلسطيني المهم أن لا يبقى الاعتماد على الطابع الفردي العفوي والدعوات الجماعية مع الحفاظ على الطابع الشعبي للتشكيلات الثورية.

الخلاصة

الانتفاضات والثورات الشاملة تنتج من بعد هبات ومواجهات صغيرة لأسباب مختلفة، وتأتي بشكل مفاجئ وغير متوقع، حقق الشعب الفلسطيني العديد من المكاسب الوطنية من خلال معركة "سيف القدس" كان أهمها وحدة المواجهة في فلسطين التاريخية، ويمكن الاستثمار في هذه النتائج من خلال العمل على زيادة الوعي والتثقيف في القضية داخليا وخارجيا، والبحث عن تطوير آليات المواجهة والتواصل بين أماكن التواجد في الداخل والخارج.

ربما لا ندخل في مواجهة شاملة أو انتفاضة لكل أطياف الشعب الفلسطيني وتبقى حالة الهبات والاشتباكات المتتالية في منطقة أو تجمع مختلف، لكن تبقى هناك فرصة للاستفادة من كل مواجهة والمراكمة عليها.

في النهاية ما حصل لا يعني بالضرورة اقتراب النصر وأن إسرائيل باتت تشارف على الزوال. لكنه شعاع نور في الكهف وثغرة في حصن المستعمرة ورصيد في الذاكرة الجمعية وفي وعي الأجيال الناشئة. 

 

 

 

 



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>