العراق.. صیفُهُ السیاسی ساخنٌ

تسنيم
  • منذ 7 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:

العراق.. صيفُهُ السياسي ساخنٌ

العراق.. صیفُهُ السیاسی ساخنٌ

تتحدث أوساط عراقية عديدة عن "صيف سياسي عراقي ساخن" تبدّت معالمه مع استقالة نواب الكتلة الصدرية من البرلمان وانسحاب زعيمه السيد مقتدي الصدر من الحياة السياسية، وذلك بعد رفض المجتمعين تحت مظلة "التيار التنسيقي" الذهاب للمعارضة البرلمانية حتى يتسنى للصدر تشكيل حكومة بالتوافق مع الحزب الديموقراطي الكردستاني بزعامة مسعود البرزاني وتجمع "تقدم" السني بزعامة رئيس مجلس النواب محمد الحلبوسي.

محمد صالح صدقيان
لا أحد يعطي أسباباً واضحة لخطوة السيد مقتدى الصدر المفاجئة؛ لكن ثمة تكهنات متضاربة تحدثت عن رغبته في إحراج منافسيه ووضعهم في زاوية حرجة؛ فيما ذهب آخرون إلي أنه أراد إنقاذ العملية السياسية وافساح المجال أمام خصومه السياسيين لتشكيل الحكومة بعد أن أعطي الضوء الأخضر لحليفيه البرزاني والحلبوسي أن  يكونا في حل من أمرهما بعد أن أبلغهما نيته الانسحاب من عملية تشكيل الحكومة ومن المسرح السياسي وإغلاق مكاتب التيار الصدري في جميع المحافظات؟.
للإنسداد السياسي في العراق أسباب عديدة أبرزها الخلافات التي تعصف بالثنائي الشيعي "التيار الصدري" و"الاطار التنسيقي" حول تشكيل الحكومة وانتخاب المرشح لتسلم منصب رئاسة الوزراء؛ لكن التطورات في العراق تؤشر بشكل واضح إلي أن المكونين السني والكردي يعانيان كما يعاني المكون الشيعي. السنة في المنطقة الغربية يعيشون حراكاً محتدماً بين شخصياتهم وحركاتهم وتحالفاتهم البرلمانية والانتخابية فيما بات انقسام الأكراد واضحاً بين أربيل عاصمة الإقليم الكردي بزعامة مسعود برزاني والسليمانية بزعامة بافل طالباني علي منصب رئاسة الجمهورية. واستناداً إلي ذلك، فان جميع المكونات تعاني من المشكلة ذاتها وهي المنافسة الحادة وعدم الاتفاق علي إدارة البلد انطلاقاً من المصالح التي يتبناها كل فريق من الفرقاء. المشهد على هذه الصورة لا يحمل جديداً لأن الخارطة السياسية كانت هكذا منذ سقوط النظام السابق عام 2003؛ لكن الصورة أصبحت الآن أكثر وضوحاً بعدما كانت تفتقد إلى عناصر الوضوح. الجديد في هذا المشهد هي الخلافات الحادة مع عدم امكانية التوصل إلى قواسم مشتركة بين جميع الأطياف في جميع المكونات العراقية.
ومن السذاجة بمكان الإعتقاد أن مجلس النواب سينجح في استبدال نواب آخرين محل النواب المستقيلين من التيار الصدري والذهاب إلى تشكيل حكومة جديدة حتي وإن كان المرشح لرئاسة الحكومة يحظي بمقبولية التيار الصدري. هذا السيناريو حتي وان تحقق فإنه لن يستطيع السير علي السجادة الحمراء المؤدية إلى مقر رئاسة الوزراء ولن يستطيع الصمود لأسباب متعددة قد تكون واضحة للمهتمين بالشأن العراقي. أما الذهاب لاجراء انتخابات نيابية جديدة وهو السيناريو الآخر، فهو لا يمثل الحل السحري لتحقيق التفاهم السياسي بين الأطراف المتنافسة على رئاسة الحكومة وتركيبتها بعد انتخاب الرئاسات الثلاث؛ ولا اعتقد بوجود خيار ثالث الا البقاء في الحالة الراهنة بوجود حكومة تصريف اعمال لا حول ولا قوة لها، فيما تتسارع التطورات المحيطة بالعراق وترتسم معها معالم مرحلة إقليمية جديدة.
نحن أمام مشهد داخلي عراقي بالغ التعقيد إلي الحد الذي ترتفع معه مناسيب درجة الحرارة في صيف العراق ويجعله أكثر سخونة في ظل تطورات إقليمية ودولية تؤثر بشكل مباشر علي الوضع السياسي والأمني الداخلي. لا نختلف إذا قلنا أن أي بلد في المنطقة يتأثر بالتطورات الإقليمية شئنا أم أبينا؛ أكان ذلك ملائماً لمذاقنا أم لا. المهم أن المنظومة الأمنية والسياسية في الاقليم واحدة تؤثر وتتأثر.. والعراق البلد الأكثر استعداداً لمثل هذه المؤثرات لأسباب تتعلق بالتغيير الذي حصل عام 2003 وتداعياته الأمنية والعسكرية والسياسية التي جعلته أضعف الحلقات الأمنية والسياسية في الإقليم.
العراق معني بالقمة الاقليمية المفترض عقدها في الرياض الشهر القادم خصوصاً وأن الدعوة موجهة إليه لحضور هذه القمة إلي جانب الأردن ومصر إضافة إلي دول مجلس التعاون الخليجي برعاية سامية من الرئيس الأميركي جو بايدن  لمناقشة الأمن الإقليمي و"الأمن الإسرائيلي" تحديداً كما عبّر عنه الرئيس بايدن بشكل واضح عندما سُئل عن هدفه من الذهاب إلى السعودية.
لا أملك تصوراً واضحاً بشأن آلية تعاطي العراق مع مثل هذا الهدف وانعكاس نتائج اجتماع الرياض علي الأمن الوطني العراقي لكن الخشية أن يكون هدف المشاركة مُوجهاً بالدرجة الأولي ضد إيران وأن يتم الإعلان عن "الناتو العربي" أو اتخاذ القرار بتشكيله او التفاهم علي صيغة أخري لكنها تصب في خانة الهدف ذاته الذي عبّر عنه الرئيس بايدن؛ عندها ما هو الدور الذي سيُكلف به العراق؟ هل سيكون خارج هذه المنظومة؟ أم سيكون في داخلها؟ وعلي أي مستوي؟ وإذا كان داخلها فما هو دوره؟ وهل ستُوكل إليه مهمة الحفاظ علي "البوابة الشرقية" كما كانت في عهد النظام السابق باعتباره يملك أكبر قوة بشرية تستطيع أن تُفعّل قرارات اجتماع الرياض؟ ولماذا إختار رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي هذا التوقيت للقيام بزيارتين متتاليتين إلى كل من السعودية وإيران؟.
لا أعتقد أن الإجابة علي هذه الأسئلة تكون سهلة في مثل هذه الظروف التي يعيشها العراق بل إن أجوبة هذه الأسئلة هي التي تؤثر علي المشهد العراقي لتجعله ساخناً ومستعصياً علي الحل في ظل غياب تصور وطني واضح من قبل جميع الأطراف السياسية؛ خصوصاً في ظل وجود طموحات لمشاريع سياسية لبعض المكونات تتقاطع مع بعضها البعض إن كانت في الشمال أو الغرب أو الوسط أو الجنوب.
إن الخروج من هذا المأزق بحاجة الي قاعدة عريضة من التفاهم والحوار من اجل الوصول الي فهم مشترك للتعايش السلمي لأن خلاف ذلك سيدخل العراق في مشكلة اجتماعية ناهيك عن مشاكله السياسية والامنية المتراكمة.
قاعدة التفاهم والحوار هي الخيار الأفضل الذي يمكنه أن يشكل حجر الأساس للخروج من الانسداد السياسي؛ كما انه يستطيع ان يكون القاعدة الصلبة لمواجهة تحديات نتائج قمة الرياض التي ستنعكس بشكل أو بآخر علي الوضع الأمني والسياسي العراقي. اضافة إلي أنه يستطيع أن يُخفّض درجة حرارة ملفات العراق الساخنة.
/انتهى/


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>