مصير الإيزيديات بعد التحرير.. يضع المجتمع والمؤسسات أمام تحد كبير

ايزيدي 24

مصير الإيزيديات بعد التحرير.. يضع المجتمع والمؤسسات أمام تحد كبير

  • منذ 3 شهر
  • أخبار العراق
حجم الخط:

ايزيدي 24 – متابعة

تشكل مصائر الإيزيديات بعد تحريرهن من تنظيم داعش الإرهابي اختبارا كبيرا لقدرات مؤسسات الدولة والمجتمع، وتضع الجميع أمام تحدي إدماجهن وإعادتهن إلى الاستقرار الأسري من عدمه.

 فالفتيات اللاتي جرى خطفهن بأعمار الأطفال اعتُبِرن “سبايا” وجرى توزيعهن على مقاتلين مجرمين، وتم بيعهن في سوق الرقيق واقتسمن كأية غنيمة حرب، لم يعدن كمن عشن بين أكناف أهاليهن، وظهرت عليهن عقد وآثار نفسية وخيمة، في مقابل رفضهن من أهاليهن أو رفض أطفالهن بسبب اعتبارهم “غير شرعيين”.

صحيفة “القضاء” تفتح ملف النساء الايزيديات، مستعرضة أدوار القضاء العراقي في احتواء هذا الملف وإيلاء الأهمية لمصير الناجيات ومصير أطفالهن الذي تعترضه العديد من العقبات القانونية والشرعية.

جريمة إبادة

يقول قاضي أول محكمة تحقيق الكرخ علي حسين جفات إن “إحدى أخطر جرائم الإبادة الجماعية في التاريخ المعاصر هي سبي أسر المكون الإيزيدي التي حدثت إبان تعرض محافظات العراق (الموصل / الانبار / صلاح الدين) عام 2014 إلى الغزو الداعشي، وهي من الجرائم الدولية التي هزت العراق والعالم، إذ خطط لها تنظيم داعش الإرهابي راصداً كل طرق البِدع لنشر فكره وعقيدته الفاسدة التي اجترها من بعض محطات التاريخ قسرياً، متخذاً اسلوب التكفير لمن يُخالف توجههُ”.

وأضاف القاضي أن “المكون الأيزيدي احد أطياف المجتمع العراقي كان ضحية وغرضاً وهدفاً لوحشية الإرهاب وفتاوى أئمة الجورِ والظلال عبر سبي نسائهِ الشابات والقاصرات دون سن الثامنة عشرة والأطفال ما بين العاشرة إلى اثنتي عشرة سنة ليَكُن وقوداً لغرائزهم”.

ويستطرد القاضي أن “الحُجة التي استخدمها مجرمو داعش هي إدخالهن إلى الإسلام والزواج الشرعي طيلة فترة سيطرتهم على المناطق التي كانت بيدهم بيدَ أن عمليات السبي للفتيات الإيزيديات استمرت (أربع سنوات) تخللتها بعض حالات الهروب لمن أتيحت لهنُّ فرص الهرب اما الأخريات فكُنَّ يُزوجنَّ لواليها، وعند موته يتم تزويجُها لآخر وهكذا حتى أن بعضَهنَّ تم تزويجهُنَّ عشرات المرات”.

التعلق بالجاني!

ويبينُ القاضي أن “الوعيَّ الناقص والقاصرَ هو ما عمل عليه التنظيمُ الإرهابي في استمالة الفتيات الإيزيديات والتأثير عليهنَّ فكرياً للإيمان بعقيدتهم الفاسدة وتركيزه على الفتيات القاصرات والأطفال”.

ويذكر القاضي أن “بعض الحالات التي عُرضت على المحكمة والجهات المختصة ظهرت إصابتها بمتلازمةُ ستوكهولم (التعلق بالجاني)”، معتقدا أن “الأعمار الصغيرة أكثر من أُصيب بهذه المتلازمة”.

ويروي القاضي أن “احدَ المتهمين في محافظة كركوك عند إلقاء القبض عليه وجدَت عنده فتاتان إيزيديتان إحداهما تولد عام (2002) والأخرى عام (2004)، وكانت أعمارُهنَّ عند السبي ما يقرب 15 سنة وقد تمَّ بيعهُنَّ من متهمٍ لآخر إلى أن حُررنَّ عند القبضِ على هذا المجرم”.

ويعقب القاضي أن “المحكمةَ لم تقررْ في قضية هاتين الفتاتين كونّهُنَّ عند وقوع جريمة سبيهِنَّ كُنَّ قاصرات وعاشتا في بيئة إرهابية تلقينَّ من خلالها الأفكار الفاسدة، وهنا بدأ تأثيرُ متلازمة ستوكهولم على الضحية”.

ويشير القاضي إلى أن “المفارقة في قصة الشابتين تمسكهن بالتنظيم وفكره ورفضهن لعوائلهنَّ ورفض الرجوع إلى الإيزيدية، إذ أكدن المحكمة إنهنَّ اعتنقنَّ الدين الإسلامي وانه عند العودة إلى أهليهن لا يُسمح لهن بممارسة تفاصيل وطقوس الدين الإسلامي، ونعتقد أن إرادة الضحيتين كانتا مقيدة وليست مخيرة واعتبرتهن المحكمة مشتكيات”.

ويتابع القاضي “في مقابل ذلك فأن عوائلهن لم يستقبلوهنَّ ورفضوا أولادهنَّ باعتبارهم حسب رؤية أهاليهنَّ أطفالا غير شرعيين وينتمون إلى ديانة أخرى، ومن هنا فقد قررت المحكمة إيداعهن لدى مديرية رعاية الناجيات التابعة إلى وزارة العمل في سبيل إعادة تأهيلهن نفسيا وصحيا وباعتبارهن بالغات يتأهلنَّ في بيئةٍ خاصةٍ بهدفِ العودةِ إلى عوائلهنَّ أو انتقاء خَيارٍ آخر حسب برنامج المديرية”.

وأكد أن “اغلب الناجيات سيما البالغات أكثر من 18 سنة عُدنَّ لعوائلهن وانخرطنَّ في ديانتهن لسالف عهدهنَّ باعتبار أخذَن عُنوةً عبر سلبِ معتقدهنَّ جبراً”.

دور محكمة التحقيق

وعن دور القضاء أفاد بأن “محكمة التحقيق تُثبّت أقوال السبية سواء كانت ضحية أو مشترِكة، وتَعتبر تَثبيتَ الأقوالِ والإجراءات كحقوق لها وتعتبرُها المحكمةُ شاهدةً، هنا ينتهي دورُ وإجراءاتُ محكمةُ التحقيق وهناك إجراءات أخرى لدى محكمة الأحوال الشخصية ومحكمة المواد الشخصية التي تنظر القضايا المجتمعية لغير المسلمين وحسب ظروف كل قضية”.

ويستطرد القاضي قائلاً إن “المحكمة تُخطِرُ ممثل الطائفة الإيزيدية وهو ممثل عن الضحايا من ديوان أوقاف الديانات المسيحية والايزيدية والصابئة المندائية لغير المسلمين وتعطيه التفاصيل (بيانات كالاسم و….) ويتم تزويدهم بنسخة من الأوراق التحقيقية”.

ضحايا الإرهاب وما بعده

ويوضح القاضي إشكاليةً ذات خصوصية تواجه الضحايا وهي وجود أولاد، يقول “تواجه الضحايا مشكلة عدم وجود أوراق رسمية أو ثبوتية لهم كون الأولاد اغلبهم ناتجين من حالة اغتصاب، وان الضحيةَ لا تعرفُ عن الأب سوى كُنيته خاصة أبناء مقاتلي داعش ممن تم قتلهم، تواجه الضحية أيضا معوقات كرفض ذويهن تبني الطفل باعتقادهم أنهم أطفالٌ غير شرعيين”.

القضاء العراقي عالج جريمة سبي الايزيديات من خلال إشراك مؤسسات أخرى وبعض المنظمات في الإقليم والمنظمات الدولية ممن ساعدوا بالسيطرة على هذه الحالات، بحسب القاضي الذي بين أن “بعض الضحايا اضّطُروا إلى الهجرة خارج العراق لأن بعض المجتمعات لاسيما الاوربية تستقبل هذه الحالات وتدمجها”، منوهاً إلى أنه “محكمته لم تُسَجل ورود حالات قتل لضحايا بعد عودتهن إلى ذويهن”.

قانون المحكمة الجنائية

ويبين القاضي أن “المؤسسة القضائية تُولي ملفَ جريمة سبي الايزيديات اهتماماً كبيراً وتبذل الجهد مع الأجهزة الأمنية لمتابعة وتشخيص قيادات تنظيم داعش الإرهابي الذين اشرفوا على هذه الجريمة الشنيعة، وهناك بيانات كاملة عنهم وعن جرائمهم وبمجرد عرض صورهم على الضحية يتم تشخيصهم وإلقاء القبض عليهم وإحالتهم إلى محاكم الجنايات ويتم تجريمهم وفق قانون مكافحة الإرهاب رقم 13 لسنة (2005)”، مؤكدا أن مجلس القضاء الأعلى طالب بتعديل قانون المحكمة الجنائية العليا رقم 10 لسنة 2005 إذ نص على (قانون الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية لكنه حصرها بالجرائم التي وقعت قبل عام (2003)، ولمواكبة المجتمع الدولي لهذه الجرائم يتوجب شمول جريمة سبيهن بالقانون”.

وبشأن موضوعة التأهيل النفسي والصحي للناجية من ضحايا السبي ومصيرها بعد التحرير، يقول “عندما يستشعرُ قاضي التحقيق والمحكمة ضرورة إعادة تأهيل الضحية فإنه يقرر إيداعها في مديرية رعاية الناجيات في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ولكن أحيانا إذا كانت الضحية ترغبُ بالعودة إلى عائلتها دون أن يشكل ذلك خطرا على حياتها نقرر حين ذاك تسليمها إلى ذويها بحضور ممثل عن الطائفة الايزيدية الذي يتعهد بالمواصلة مع منظمات مختصة أُنشئت لغرض إعادة التأهيل النفسي وهي متواجدة مع ذويها”.

إجراءات قضائية

من جانبه، يسرد قاضي محكمة تحقيق الموصل رائد مصلح دور القضاء في ملف المكون الإيزيدي منذ سقوط محافظة نينوى حتى تحريرها، مستعرضا الأوامر والبيانات التي أطلقها مجلس القضاء الأعلى.

يقول إن مجلس القضاء الأعلى “وجه باتخاذ إجراءات سريعة لمتابعة هذه الانتهاكات وملاحقة المجرمين الذين استهدفوا هذا المكون، فاصدر أمرا قضائيا برقم 51 في عام 2016 لتشكيل هيئة تحقيقية مختصة بالنظر بالجرائم المرتكبة ضد أبناء المكون الايزيدي وسبي الايزيديات”، لافتا الى انه “بعدها أصدر قرارا آخر بتشكيل هيئتين واختار موقعا لها ضمن المناطق التي نزح لها الايزيديون ضمن سهل نينوى كما صدرت عدة أوامر قضائية بتشكيل محاكم تنتقل إلى المخيمات والكمبات التي شغلها النازحون لإكمال شكاواهم وإصدار مستمسكاتهم الثبوتية بعد أن فقدوها بسبب النزوح”.

ملفات استرداد

ويؤكد القاضي في حديثه لـ”القضاء” إن “مجلس القضاء الأعلى أصدر أوامر قضائية بتسمية قضاة مختصين في لجان شؤون وحماية المقابر الجماعية في نينوى وإعطاء الأولوية في فتح مقابر كوجو وسنجار الخاصة بالمكون الايزيدي، كما تم إصدار عدة توجيهات بإعطاء الأولوية والاهتمام في ملاحقة ومحاسبة المتهمين الرئيسيين في قتل وسبي النساء الايزيديات وملاحقتهم أينما كانوا وتنظيم ملفات استرداد بحقهم إضافة إلى جرد وتوثيق الجرائم التي ارتكبها التنظيم بحق هذا المكون”

تحرير الناجيات

أما في مجال تحرير الناجيات يشير القاضي إلى أن “القضاء العراقي كان له دور مهم بتسهيل إجراءات دخول النساء بعد تحريرهم من قبل الأجهزة الأمنية والعمل مع منظمات دولية ومصادر موثوقة لمتابعة إعادتهم وتسهيل مهمة إدخالهم إلى الأراضي العراقية بدون مستمسكات كما تم التنسيق مع الحكومات المحلية لتهيئة دور وأماكن مختصة لإيوائهم في الفترات الأولى لاستعادتهم وتكليف وزارة الصحة بفحصهم وتهيئتهم نفسيا وفكريا والتواصل مع عوائلهم او أقاربهم في حال عدم وجود احد من عوائلهم بسبب النزوح او القتل، وهنا كان الدور البارز للقضاء في التواصل مع المرجع الديني لأبناء الديانة الايزيدية والمجلس الروحاني لغرض تقبل الضحايا من النساء والأطفال ووضع الحلول لتامين إعادة تأهيلهم وإدماجهم في مجتمعاتهم”

ويرى القاضي بان “قضايا وأمور الأحوال الشخصية ومصير الأطفال الذين ولدوا من الدواعش تشكل عقبة كبيرة فيها إشكالية قانونية إذ أن أي شخص ولد من أبوين أحدهما مسلم يجب أن نعتبره مسلما وفق القانون ولا يمكن أن يتقبل الايزيدية تربية شخص نتيجة ولادة مجرم اغتصب ابنتهم ونسبه إليهم، وإذا ذهبنا إلى اعتبار أن المولود نتيجة علاقة غير شرعية واعتبر لقيطا هنا أيضا يسجل مسلما وهذه فيها إشكالات قانونية ومجتمعية”.

وعن الموقف القانوني، يقول السيد بشار احمد الجبوري قاضي محكمة المواد الشخصية في الشيخان إن “الطائفة الإيزيدية من الطوائف الدينية غير الإسلامية المعترف بها رسمياً في العراق بموجب صدور نظام رعاية الطوائف الدينية رقم (32) لسنة1981م وملحقه المتضمن تعداد الطوائف الدينية المعترف بها رسمياً في العراق البالغ عددها سبع عشرة طائفة”.

وأكد أن “مصدر القانون الشخصي للطائفة هو النصوص الدينية وقواعد وتعاليم الديانة لأبناء الطائفـة، ويستدل على أحكامها بطريق الإحالة إلى الرئاسة الروحانية للطائفة أو العالم الروحاني الواقف على القانون الشخصي أو العرف المحلي لأبناء الطائفة استناداً إلى المادة (16) من بيان المحاكم”، لافتا إلى أن “الرئاسة الروحانية ذات الصلاحية تمتلك عند الإحالة عليها إجراء التحقيقات في وقائع المسالة موضوع الإحالة، عند الاقتضاء، استناداً إلى المادة (19) من نظام المحاكم المدنية رقم (4) لسنة 1918م ، والتي جوزت للمحكمة عند الإحالة إصدار الأوراق والتبليغات اللازمة وإرسالها إلى أطراف الدعوى والشهود الذين يريد العالم سماع أقوالهم، وتخضع قواعد الإثبات الموضوعية في هذه الحالة لأحكام القانون الشخصي أو العرف المحلي في حدود المسألة موضوع الإحالة”.

وتابع أن “القضاء العراقي قد استقر في العديد من أحكامه وقراراته على تطبيق نصوص قانون الأحوال الشخصية ومبادئ الشريعة الإسلامية، فيما يتعلق بمواد الأحوال الشخصية التي لا تمس العقيدة الدينية لأبناء الطوائف الدينية غير الإسلامية، المعترف بها رسمياً في العراق ، كما هو الحال في مسائل النفقة والحضانة وتعيين الحصص الارثية في القسامات الشرعية وتوزيعها بين الورثة”.

أرقام وإحصائيات

من جانبها، أوردت محكمة استئناف نينوى الاتحادية إحصائية من محاكم تحقيق سنجار الموقع البديل ودار القضاء في سنجار ومحكمة تحقيق الشمال ذكرت فيها أعداد المفقودين من المكون الايزيدي وبفئتي الأعمار التي اقل من (18) سنة والأعمار البالغة الأكثر من ذلك، وفصلت الإحصائية أعداد المفقودين بمن عثر عليهم ومن بقي مفقودا إضافة إلى تحديدهم جندريا بالرجال والنساء.

وفي ما يخص النساء ( السبايا ) ذكرت أن “أعداد النساء التي كانت أعمارهن اقل من ثمانية عشر سنة بلغ (564) موزعات بـ (229) فتاة سجلت سبية من محكمة تحقيق الشمال و( 310) فتيات من محكمة دار القضاء في سنجار وكذلك (25) من محكمة الموقع البديل”، مبينة انه “لم يتم العثور على (101 ) سبية من فئة القاصرات المسجلات في إحصائية دعاوى المحاكم المذكورة”.

في حين أن المحاكم ذاتها سجلت ( 550 ) دعوى سبي من البالغات توزعن بـ (157) في محكمة تحقيق الشمال و(206) في دار القضاء في سنجار و(187) في محكمة الموقع البديل لافتة إلى انه “لم يتم العثور على ( 44) سبية من مجموع المسجلات للفئة البالغة”.



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>