خطبة الجمعة لسماحة الشيخ علي دعموش 29-7-2022

موقع المنار

خطبة الجمعة لسماحة الشيخ علي دعموش 29-7-2022

  • منذ 1 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:
إحياء عاشوراء إحياء لقيم الاسلام
الشيخ دعموش في خطبة الجمعة: العدو لا يخضع إلا لمنطق الأقوياء.
نص الخطبة
مع بداية شهر محرم وبداية احياء مراسم عاشوراء قد يتسآل البعض وخاصة من غير الشيعة لماذا تقيمون مراسم عاشوراء في كل عام؟
لقد  مضى على استشهاده مئات السنين.. فلماذا تصرون على احياء حادثة قد وقعت قبل اكثر من 1380 سنة؟ ولماذا تواظبون على إقامة مجالس عزاء خاصة بالحسين(ع) وتؤكدون على اقامة مراسم لذكرى شهادته؟ إنها حادثة تاريخية قد مر عليها الزمن وانتهت؛ فلماذا تعيدون نبش التاريخ والخلافات والصراعات الدموية التي جرت فيه، مع ان ذلك قد يؤجج الكراهية ويثير الاحقاد و يؤدي الى اثارة بعض الحساسيات الطائفية والمذهبية ؟
والجواب على هذه التساؤلات هو :
اولا: ان الحسين هو ابن بنت رسول الله(ص) وهو امام المسلمين وله مكانة مميزة وعظيمة عند رسول الله ولدى كل المسلمين ، وقد قال رسول الله في حقِّه (عليه السلام): (إِنَّ لَهُ دَرجة لا يَنَالُها أحدٌ مِن المَخلوقِين).
وقد وقد اكدت الاحاديث مدى  محبَّة النبي للحسين (عليه السلام):
فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (حُسَينٌ مِنِّي وأنا مِن حُسين، أحَبَّ اللهُ مَن أحبَّ حُسَيناً، حُسينٌ سِبْطُ مِن الأسْباط).
عن البَرَّاء بن عازب، قال: رأيت رسول الله (ص) حاملاً الحسين بن علي (عليهما السلام) على عاتقه وهو يقول: (اللَّهُمَّ إِنِّي أُحبُّهُ فَأحِبَّه).
الامام الحسين(ع) تعرض لابشع عملية قتل هو واولاده واهل بيته واصحابه في كربلاء على يدي اشر خلق الله، ومن الطبيعي ان نحزن وان نعبر عن مشاعرنا وعواطفنا وحبنا للحسين وأصحابه وأهل بيته، فنذرف الدموع عليهم ونبكيهم، فقد بكاه النبي(ص) لعلمه بما سيجري عليه، حيث كان كان النبي (صلى الله عليه وآله) يُقبِّله ويبكي.
فيقول (عليه السلام): (يَا أبَه، لِمَ تبكِي)؟!!
فيقول (صلى الله عليه وآله): (يا بُنيَّ، أقبِّل موضع السيوف منك وأبكي).
وقد دعانا ائمة اهل البيت(ع) الى اظهار الحزن والبكاء على الحسين واحياء مصابه واظهار مظلوميته واقامة المآتم ومجالس العزاء له، لا سيما في محرم، وكانوا يقومون هم بإحياء ذكرى الحسين(ع) ويقيمون المجالس في بيوتهم وبيوت أصحابهم.
فعن الإمام الصادق(ع): إنّ تلك المجالسُ أحُبّها أحيوا أمرنا فرحم ألله من أحيا أمرنا فإنّ من جلس مجلسا يُحى فيه أمرنا لم يمُت قلبه يوم تموت القلوب .
وعن الامام علي بن موسى الرضا (ع): من تذكر مصابنا وبكى لما ارتكب منا كان معنا في درجتنا يوم القيامة، ومن ذكر بمصابنا فبكى وأبكى لم تبك عينه يوم تبكي العيون، ومن جلس مجلسا يحيى فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب.
اذن نحن نحي عاشوراء حباً وعاطفة وتعظيماً وتقديراً وتمجيداً للحسين واظهارا لمظلوميته، ولان رسول الله(ص)  وائمة اهل البيت(ع) امرونا ان نحي ذكراه، لان احياء عاشوراء هو احياء لقيم الاسلام.
ثانيا: ان احياء هذه الذكرى انما هو لاخذ العبر من هذه الحادثة الكبيرة واستلهام المفاهيم والقيم التي تجسدت فيها والانتفاع من دروسها ودلالاتها  والمعاني العظيمة التي جسدها الحسين واصحابه في تلك الملحمة التاريخية الكبرى فقد احتشد في هذه الواقعة من القيم والمفاهيم والمعاني الروحية والثقافية والاجتماعية والسياسية ما لم نراه في اي حادثة تاريخية مثل قيم الايثار والفداء والشجاعة والاخلاص والصدق والثبات والصبر والوفاء والتضحية والعطاء بلا حدود الخ.
ثالثا: اعتادت المجتمعات البشرية على احياء الحوادث وذكرى الشخصيات المؤثرة التي قامت بادوار حساسة وحققت نتائج كبيرة على مستوى حماية الدين وتحرير الامة من الجور والظلم او على مستوى تطور ورقي المجتمعات، فهناك رغبة فطرية موجوده في أعماق كل الناس تدفعهم للاعتراف بحق من ضحى من اجلهم او قدم لهم خدمة جليلة، فيستحضروا ذكراه ويعبروا عن احترامهم وتعلقهم بهذه الشخصية او تلك الواقعة لما لها من تأثير في حياة الامة وفي مجريات الماضي والحاضر، ومن هذا القبيل احياء ذكرى الاستقلال مثلا، او ذكرى الابطال والشخصيات التي ساهمت في استقلال بلد معين وتحريره من المحتلين والمستعمرين، او ذكرى الشهداء الين ضحوا بارواحهم من اجل الدفاع عن الاوطان وتحريرها وحمايتها ورفع الظلم والقهر عن الشعوب.
ونحن نعتقد أن واقعة عاشوراء كانت حادثة عظيمة في تاريخ الإسلام، وكان لها دور اساسي في حماية الاسلام واحكامه وقيمه التي كادت ان تندثر بسبب سياسات الحكم الاموي الظالم، كما كان لها دور في كشف زيف الحكام وسلب الشرعية عنهم، وكسر حاجز الخوف منهم، كما ان عاشوراء ايقظت الامة من سباتها واستنهضتها بوجه الطغاة والظالمين والفاسدين.
ولذلك أصبحت تلك الواقعة مناسبة تاريخية عظيمة عندنا, واصبح احياؤها أمراً بالغ الاهمية ؛ لأن احياء هذه المناسبة يذكر الامة بمسؤولياتها تجاه الدين والحفاظ على قيم الدين وتجسيد هذه القيم والمفاهيم في سلوكها وحياتها، كما ان احياء هذه الحادثة التي كانت حركة عظيمة بوجه الظالمين يعلم الامة ان عليها ان لا تسكت على الظلم والقهر والفساد في كل زمان ومكان، وان عليها مواجهة الطغاة والظالمين والمستكبرين والمحتلين كاميركا واسرائيل وحلفائهم الذين يتربصون بديننا ومجتمعنا ويحاولون ضرب هويتنا وافساد جيل الشباب وابعاده عن دينه وقضاياه المحقة.
وكل ذلك يستوجب أن يتجدد احياء عاشوراء كل عام لتتعرف الامة على مسؤولياتها في كل عصر وزمان تجاه الظالمين والفاسدين والطغاة،  لان لكل زمان طغاته ولا بد من مواجهتهم، فالحسين هدفه من الثورة الذي اعلن عنه بوضوح هو اسقاط حاكم  فاسد وطاغي مثل يزيد كان يتبع سياسات ظالمة واستنهاض الامة التي كانت مستسلمة وخانعة وقاعدة كي تثور ولا تقبل بحكم هذا الطاغية، ولا تقبل بالواقع الفاسد القائم، اراد الحسين(ع) ان يقوم بعملية تغيير لكل هذا الواقع الفاسد، وأن تقوم الامة بوجه ذلك الطاغي، حيث قال : إنّا أهل بيت النبوَّة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، ومهبط الوحي، بنا فتح الله، وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق والفجور، ومثلي لا يبايع مثله”.
وقال في موقف اخر: «إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين».
الحسين كان يستهدف من خلال قيامه واستهدافه ليزيد كل فاسد ومنحرف وطاغية وظالم وباغ سواء في موجودا في التاريخ أم الحاضر او يمكن ان يكون في المستقبل .
اذن الحسين كان هدفه تغيير ذلك الواقع الفاسد والتصويب على مواقع الانحراف وحث الناس لتخرج عن صمتها وخوفها ، وتتحمل مسؤوليتها.. فهي ما دامت ساكتة سيبقى الظالم ظالماً والمظلوم ضحية والفساد مستشرياً. وهذا ما تحتاج الامة لكي تستذكره في كل زمان .
الدرس الحقيقي من عاشوراء هو ان نرفض  كل فاسد وظالم ومنحرف وان لا نقبل بالفساد والظلم والانحراف وأن لا نجامل الفاسدين والظالمين والمنحرفين، أن لا نؤيدهم  ولا نبرر أفعالهم.. أن لا نشعرهم بالأمان.. وان يكون موقفنا منهم كموقف الحسين عندما قال: “ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمن وأظهروا الفساد وعطّلوا الحدود واستأثروا بالفيء وأحلّوا حرام الله وحرّموا حلاله وأنا أحقّ من غيَّر”.قوله: “مَن رأى منكُم سُلطاناً جائِراً مُستحلاً لحرم الله، ناكثاً بعَهدِه، مُخالِفاً لسنّةِ رسولِ الله، يَعملُ في عبادِه بالإثمِ والعدوانِ، فلم يُغيّر عليهِ بقولٍ ولا بفعلٍ، كان حَقّاً على الله أن يُدخِله مَدخلَه”.
ما نتعلمه من عاشوراء هو ان نقف بكل قوة وصلابة في مواجهة الظالمين والمستكبرين واميركا واسرائيل الذين يحملون منطق يزيد ويريدون الاستمرار في محاصرة بلدنا وتجويع شعبنا واستلاب حقوقنا واستغلال الازمات والتباينات والانقسامات بين اللبنانيين لابتزازهم وتضييع حقوقهم.
اليوم حجم الازمات التي يعيشها البلد يفرض على الجميع الابتعاد عن المزايدات والسجالات العقيمة والارتقاء الى مستوى المسؤولية الوطنية التي تتطلب اجتماع اللبنانيين وتظافر جهودهم  لتجاوزِ الاخطار المحدقة بلبنان.
الشعور بالانتماء الوطني وبحجم المخاطر التي يتعرض لها الوطن ينبغي ان يكون حافزا للبنانيين للالتفاف حول بعضهم والتفاهم والتعاون فيما بينهم  والتمسك بعناصر قوتهم التي تحمي لهم حقوقهم وتحفظ لهم سيادة بلدهم.
المصلحة اللبنانية تقتضي التوحد حول المطالب اللبنانية واستثمار موقف المقاومة لانتزاع الحقوق واخراج البلد من دائرة الحصار والمنع من استدراجه وابتزازه واضعاف موقفه. فلا ينبغي ان نتراخى امام العدو او نسمح له  بالتلاعب والتشاطر والمماطلة او بإملاء شروطه على لبنان فقد اثبتت التجربة خلال الاربعين سنة الماضية ان هذا العدو لا يخضع الا لمنطق الاقوياء ولا يستجيب الا عندما تتهدد  مصالحه .


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>