طريق مقتدى الصدر وفخاخ الآخرين

العربي الجديد

طريق مقتدى الصدر وفخاخ الآخرين

  • منذ 1 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:

حين يحرّك الزعيم العراقي، مقتدى الصدر، جماهيَره يخاف الآخرون. سيولٌ من البشر تطيعه عُميا في اقتحام ما يريد. يقود كتلةً شعبية أخذتْ بالتشكل قبل 2003، عندما كان العراقُ محاصَرا والجوعُ يضرب شعبه وهوامشُ البلد تأخذ طريقها لتصبح متنَه. من جانب آخر، قدرتُه على التحشيد تصاحبُها قوةٌ عسكرية كبيرة ليست الدولةَ، وإنما متغلغلة في السلطة. هي سرايا السلام إحدى القوى العسكرية الرئيسة الأربع في البلاد، مع الجيش والحشد والبيشمركة. 
حازت كتلتُه المركز الأول في انتخابات 2018 و2021. في الأخيرة، كان فوزا صريحا مضى فيه بإصرار مستفيدا من خسارة مذلّة لخصومه الموالين إيران، وتحديدا قائمة الفتح. لكن خصومَه التفّوا من جديد، مستخدمين نفوذَهم السياسي والقضائي وعلاقاتِهم بطهران، فنافسوه على تعريف "الكتلة الأكبر" بعد تجميع كل متفرّقاتهم وفلولهم داخل البرلمان. يقودهم رئيسُ الوزراء الأسبق، نوري المالكي، المصرُ على قيادة المشهد، رغم ما تسبب به من كوارث سياسية واقتصادية وأمنية ومجتمعية.   
في المقابل، أصرّ الصدر على أن يكون القائد مستثمرا، كونه زعيمَ الكتلة الأكبر، ومستبعدا أي تحالف مع المالكي، وساعيا إلى إيجاد تحالفات أخرى. ثم انسحب فجأة، طالبا من أتباعه النوّاب الاستقالة، وفاسحا المجال أمام التحالف الشيعي المناوئ، الإطارِ التنسيقي. لكن لماذا حصل ذلك، رغم أن كتلتي محمد الحلبوسي السنية ومسعود البرزاني الكردية شكلتا معه جبهةً أو ما بدا أنه جبهة؟

إيران بعد مظاهرات 2019 ومقتل قاسم سليماني فقدت كثيرا من نفوذها، والصدر يقدّم نفسه مستقلا عن نفوذ علي خامنئي

للدور الإيراني أثرٌ في هذا، غير أن فكرة تشكيل حكومة أكثرية سياسية ليست آمنةً؛ أي أكثرية لن تكونَ مريحة، وتصلَ إلى مستوى يجعلها بمنأى عن عواصف اللعب السياسي، ويؤدّي بها إلى انهيار سريع، فالكتلة الصدرية مكونة من 73 نائبا أيْ ما نسبته أكثر بقليل من 20% من البرلمان. هي، مع كونها أغلبية ولها هامش المناورة الأكبر، غيرُ قادرة على التحرّك بأريحية كافية. ومن ثم، كما أن القوى الشيعية مشتتة، السنة والكرد في البرلمان ليسوا موحدين صريحا، ويمكن أن ينقسموا فيسهموا في سقوط أيّ سلطةٍ تتشكّل على حافة الأكثرية المتزلزلة. ومع ضغط قوى الإطار ومساعي إيران لإفشال أي التفافٍ على حلفائها، بدت مهمة التيار الصدري صعبةً للغاية. لكن تلك الصعوبات ليست العراقيلَ الوحيدة التي واجهها سليل آل الصدر في تحقيق حلم موروث بالسيادة على الكل. 
في البدء، يسعى السليل إلى الزعامة على شيعة العراق. التوقيت لمثل هذه الخطوة بدا مناسبا سياسيا. إيران بعد مظاهرات 2019 ومقتل قاسم سليماني فقدت كثيرا من نفوذها، والصدر يقدّم نفسه مستقلا عن نفوذ علي خامنئي. ومن جانب آخر، تدور تحالفات الشرق الأوسط في أفق بعد نهاية الرئيس الأميركي السابق ترامب وحرب الرئيس الروسي بوتين. مقتدى وسط هذا لديه نوع من العلاقات يختلف كثيرا عن زملائه العراقيين، فخلال السنوات الأخيرة لديه تقاربٌ لا بأس به مع السعودية وقطر والإمارات. وجاءت نتائج الانتخابات لتكلل الفرصة بمزيد من الآمال الصدرية. ثم إن اللحظة سانحة للزعامة الشيعية دينيا أيضا، فالمرجع السيستاني تجاوز تسعين عاما، ومقتدى لن يبتعد كثيرا عن معركة الخلافة، فهو بين النجف العراقية وقم الإيرانية كثف من نشاطه الدراسي، كي يقدم نفسه فقيها يمكن أن يلعب دورا أكبر.

ما بدا كونه فرصة الزعامة عبر السياقات البرلمانية وجده الصدر محفوفا بمغامرة فقدان كل شيء

وراء زعامة الجماعة، هناك ما هو أكبر، يريد زعامةَ العراق حلما طلبه والده المرجع محمد محمد صادق الصدر (1999) وعم أبيه المرجع محمد باقر الصدر (1980). هو لا يختلف في ذلك عن أكثر التجارب المعروفة التي تبدأ بفرض النفوذ على الدائرة القريبة تمهيدا للدائرة البعيدة. قام بها قبله حزب الله في لبنان، عندما أنهى خصومه العلمانيين من خلفيات شيعية، ثم طوّع المنافسين الآخرين داخل الطائفة مثل حركة أمل، قبل الانطلاق ليفرض إرادته على لبنان كله. ولا أظن أن الجماعات السياسية الكردية والسنية غافلة عن حلم صاحب الكتلة الأكبر. هي تتعاطى معه بحذر شديد، حتى خلال فترة التحالف الثلاثي مع الحزب الديمقراطي الكردستاني وتحالف السيادة، فالشريكان في الوقت الذي كانا قريبين منه، لم يغفلا مسارَ البحث لتسويات من نوع آخر مع الإطار التنسيقي. 
لذا، أظن أنّ ما بدا كونه فرصة الزعامة عبر السياقات البرلمانية وجده الصدر محفوفا بمغامرة فقدان كل شيء. انتقل إلى ما اعتاد على فعله، الابتعاد تمهيدا لاقتراب آخر. استقال نوّابُه. هي مغامرة أخرى، لأنه لو لم ينجح في منع الإطار من تشكيل الحكومة، سيصبح أمام خيار تصعيد قد يجيّش أمامَه قوةً أغلبية صامتة لها معه ذاكرة مرّة. بذا عوّل كثيرا على شلّ الإيقاع، وهو ماهر في هذا جدا. كونه الوحيدَ الذي لا يحتاج إلى دعم إيران في لعبة العرقلة، ولا يحتاج دول الخليج. كان ماهرا منذ عام 2003 في أخذ الأمور إلى مساراته عبر تجميد كلّ شيء. وكان ماهرا في الحيلولة دون وصول الخصوم، لذا كان له فضل على إبراهيم الجعفري 2005 ونوري المالكي 2006 وحيدر العبادي 2014 في أنهم أصبحوا رؤساء وزراء ليس حبا بهم، بل كرها بوصول مرشحِ آل الحكيم وقتئد لرئاسة الحكومة. وكان له الفضل على إيران، بإعطائها فرصة القيام ببعض ما أرادتْ، حين التقت مصالحُه بمصالحها بين عامي 2004 - 2009. وقام بدور الحامي لبعض العلمانيين ممن خشوا المليشيات الإيرانية في 2015، قبل أن يغادرَهم ويغادروه، بعد أن خسروا بسببه وربح بهم. كما استطاع أن يقدّم نفسه المنقذَ مع أنه كان شريكا في سفك الدم.

الكتلة الجماهيرية وحدها لا تكفي بدون ساند سياسي داخل محفل "قادة الكتل"

رغم ذلك، يواجه الرجل احتمالا صعبا، يشبه، إلى حد كبير، تجربةَ استقالة وزرائه من الحكومة في أبريل/ نيسان 2007 ووقتها فقد كثيرا من زخمه. الكتلة الجماهيرية وحدها لا تكفي بدون ساند سياسي داخل محفل "قادة الكتل". لذلك هناك احتمال آخر أن زعيم التيار وقعَ في فخ الاعتقاد بأن الآخرين سيجْرُون خلفَه لاسترضائه خوفا من غضبه. إذ اعتاد على أن يفعلَ ما يتراجع عنه، أو يقولَ ما يخطّط لعدم تنفيذه، فطالما انسحب من الحياة السياسية، ثم عاد، واستقال وزراؤه من الحكومة ثم عمل على إرجاعهم بطريقة وأخرى، وأوعز بعدم المشاركة في الانتخابات ثم شارك. هي أفعال تنسجم مع طبيعته طرفا فاعلا في الحكم وفاعلا في المعارضة في آن واحد، فليس مستبعدا أن التصعيدَ الأخير، باقتحام مبنى البرلمان، تعبير عن غضب من عدم المبالاة الإيرانية، وأيضا الداخلية، على مستوى القوى السنية والكردية، فضلا عن المنافسين الشيعة. الكل خلال الأسابيع الأخيرة لعب وكأن زعيم أكبر الكتل الشعبية والسياسية غير موجود. وحين عاد إلى المشهد عبْر الاحتجاجات في مداخل المنطقة الخضراء، عادت كتلة الحلبوسي، وإلى جانبها كتلة البرزاني، إلى مغازلته. لكن الغزل لن يفضي إلا إلى ما رفضه الصدر، وهو الحوار مع الخصوم، إلا إذا فكّر بتغيير ثوري، وهذا يأخذ الأمور إلى حربٍ لا يبدو أن الصدر أو أي من منافسيه على استعداد لها.
وسواء كان الخيارُ تغييرا ثوريا "صدريا" أو عودةً إلى مشهد التوافق سيئ الصيت، فإن تكرار الأسماء ذاتِها على رأس العملية السياسية، فضلا عن الحنين لحكام سبقوا هذه المرحلة، مؤشرٌ على أن العراق يعاني من إشكالية أخلاقية وسياسية ومجتمعية وثقافية تكمن في أنّ مَن دمروه وتسببوا بمعاناة شعبه وفتتوه بسياساتهم وعقائدهم وعنجهيتهم .. يجدون دائما من يعيد تأهيلهم، وكأنهم لم يفعلوا شيئا.



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>