المستفيد من نقمة الشارع العراقي

العربي الجديد

المستفيد من نقمة الشارع العراقي

  • منذ 2 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:

خلال أغلب المواجهات السياسية منذ 2003 كانت الأحزاب العراقية تستعمل جمهورها وسيلةً من وسائل الصراع السياسي، حتى جاءت انتفاضة تشرين (2019) وفاجأت الجميع؛ فها هو جمهور لا يخضع لأي تيار سياسي يخرج، من دون قيادة واضحة، ليهدّد كل الأحزاب السياسية ويهدّد مصالحها وسلطتها.
لذلك كان من المفهوم أن تتفق كل هذه القوى السياسية (كانت تتصارع في ما بينها قبل وقت وجيز!) على اتهام التظاهرات بأنها "مؤامرة"، أو "فتنة" كما عبّر رئيس هيئة الحشد الشعبي، فالح الفياض، في وقتها، بالتوافق مع آراء لرجال في المؤسستين السياسية والدينية الايرانيتين اتفقوا جميعاً على أن خروج الشباب العراقي عارياً إلا من أعلام عراقية فتنة تستهدف سلطة أحزاب الاسلام الشيعي في العراق.
والحقّ أن هذه التظاهرات كانت تستهدف طاقم الأحزاب الفاسدة كلّه، شيعياً أو سنياً أو كردياً، وتستهدف الدول الداعمة لهذا النظام الذي انتهت صلاحيته، وأبرزها إيران المجاورة، وأميركا التي تتحكّم ببعض مفاصل النظام الحساسّة من وراء القارّات.
منذ وقت مبكر (في منشور كتبته على "فيسبوك" في نوفمبر/تشرين الثاني 2019)، خمّنت أن مسار هذه الثورة الشعبية سيصب في صالح فصيل سياسي عراقي أساسي؛ وهو التيار الصدري. لعدّة أسباب، منها:
ـ أن نسبة كبيرة من متظاهري تشرين هم من القاعدة الشعبية للتيار الصدري، خرجوا واشتركوا في التظاهرات من دون أوامر من القيادات الصدرية، التي كانت مشغولة، في تلك الفترة، بتقاسم مناصب الدولة العميقة مع تيار الفتح، الشريك الشيعي الآخر في حكومة عادل عبد المهدي.
ـ نسبة أخرى من المتظاهرين هم منشقّون من التيار الصدري، إما في مراحل سابقة، أو خلال اندلاع تظاهرات تشرين، ويمثل هذا الانشقاق تهديداً للجسم الشعبي للتيار الصدري، وعلى قيادات الصدر ملاحقته ومحاولة رأبه، ما يعني أن هذه القيادات السياسية عليها أن تتابع قواعدها الشعبية، وليس العكس.
ـ المزاج الشعبي لهذه التظاهرات يستهدف النفوذ الايراني في العراق، هذا النفوذ الذي يمثّل الرصيد الأساسي لخصوم التيار الصدري "تحالف الفتح" بالدرجة الأساس. خصوصاً وأن مقتدى الصدر نفسه لم يكن مرتاحاً للتحالف الذي دخل به مع الفتح لتشكيل حكومة عبد المهدي، وقال، صراحة في وقتها، أواخر عام 2018، إنه تعرّض لتهديد بحرب أهلية إن لم يدخل في هذا الائتلاف.
ـ كانت تظاهرات تشرين، بحدّ ذاتها، حدثاً شعبياً غير مسبوق، ارتقى، حسب معلّقين، الى مستوى الثورة، وأنّها تعبّر عن شيئين في وقت واحد؛ دخول جيل جديد من الشباب إلى النشاط السياسي، وتبلور الحسّ الوطني العراقي، شيعياً وسنياً، وانتقاله الى مستوى جديد، يحتاج الى رافعة سياسية كي تحوّله الى منجز على الأرض.
ويحتاج هذا الحدث الثوري رافعة سياسية منظّمة، من داخل العملية السياسية، تركب موجة الغضب الشعبي وتحقق مصلحتها مع مصلحة الجمهور العام الراغب بالتغيير. وكان التيار الصدري مؤهلاً للقيام بدور الرافعة أكثر من غيره، بل ربما كان هو الرافعة الافتراضية الوحيدة في تلك الأجواء.
ربما كان الصدر يعلم بالإمكانات الكبيرة لهذا الحراك الشعبي، أو يشعر بالتهديد، كما بقية الأحزاب السياسية، في كلّ الأحوال فضّل، بدلاً من أن يكون الرافعة السياسية المطلوبة، أن يستثمر الضغط الذي مثله الحراك الشعبي في طريقين: الأول، تحقيق مكاسب له، بإزاحة الحكومة ذات الأنفاس الولائية "الموالية لايران" واحلال حكومة تمتثل لارادة الصدر. والثاني، حماية النظام السياسي من تهديد الحراك التشريني، والتحوّل الى عصا ضاربة لهذا النظام السياسي، وبدلاً من الإجهاز عليه، قام بانعاشه، وملاحقة الشباب التشريني، بل قتل بعضهم، كما حدث في ساحة الصدرين في النجف في فبراير/ شباط 2020.
وبعد كلّ هذه الدراما ما زال الصدر هو المستفيد الأكبر من نقمة الشارع العراقي تجاه النظام السياسي الفاسد والمتفسّخ، لكنّ هذه الاستفادة لن تطول، فما زال هذا الشارع نفسه غير قادر على فرز الصدريين عن النظام السياسي، وعلى الصدر والصدريين بذل جهد أكبر لاستعادة ثقة الشارع الغاضب به، وأنه حليف مناسب للفعاليات السياسية والشعبية التي تسعى إلى إعادة هيكلة النظام السياسي في العراق، وأنّ عليه التعامل مع الناقمين بعدّهم شركاءً له وليسوا أتباعاً.



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>