العراق وأزمة النهايات المفتوحة

العربي الجديد

العراق وأزمة النهايات المفتوحة

  • منذ 1 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:

بات من نافلة القول أن القوى السياسية التي شاركت في العملية السياسية في العراق عقب الغزو الأميركي عام 2003 لم تكن بمستوى المرحلة، ولم تكن قادرة على أن تلبي طموحات شعبٍ اعتقد جزء منه، للوهلة الأولى، أن الغزو وإسقاط النظام يمكن أن يكونا مدخلا مناسبا لبناء عراق جديد، ديمقراطي تعدّدي قادر على أن يستوعب كل أبنائه، غير أن ذلك كله تبدّد بعد فترة قصيرة من وصول دبابات الغزو الأميركي ومعها عراقيو الخارج ممن جمعتهم أميركا لتشكل منهم معارضة.
اليوم ونحن على أعتاب العام العشرين على الغزو الأميركي للعراق وإسقاط نظامه السابق، يبدو أن تلك العملية السياسية التي شكلت عراق ما بعد الغزو قد شارفت على الوصول إلى النهايات، نهاياتها، نهاية عملية سياسية كانت مأزومةً منذ لحظتها الأولى، عملية سياسية بُنيت على الإقصاء والتهميش وتوزيع الأدوار وتشكيل عراق المكونات، بدلا من عراق المواطنة.
لم يعد من الممكن اليوم الحديث عن عملية سياسية في العراق، خصوصا عقب ما جرى يوم السبت الماضي من عملية اقتحام أنصار التيار الصدري البرلمان العراقي والمنطقة الخضراء احتجاجا على ما وصفوها بمحاولة الإطار التنسيقي (الشيعي) فرض مرشحه لرئاسة الحكومة، والذي يرى فيه مقتدى الصدر وتياره أنه رجل الظل لنوري المالكي، وهو محمد شياع السوداني.

قد تصل الحوارات، إن جرت بين القوى الشيعية، إلى حلول، لكنها بالمطلق حلول وقتية تسهم فقط في مدّ عمر العملية السياسية من دون إصلاحها

صحيح أن الموضوع أعقد بكثير من موضوع ترشيح السوداني، ولكن الصحيح أيضا أن أي حوار بين التيار الصدري والإطار التنسيقي، من أجل لملمة الموضوع والاتفاق على صيغة للحل، لن يكون إلا محاولة لبثّ الروح في جسد العملية السياسية الميت، ولن يعدو أكثر من محاولة لتأجيل الخلافات، والتي يبدو أنها وصلت إلى نقطة مسدودة ولم يعد بالإمكان إخفاء أو مداراة ما كان يتداول في الحلقات الضيقة عن خلافاتٍ قوية وكبيرة بين القوى السياسية الشيعية، وتحديدا بين التيار الصدري والقوى الشيعية الأخرى، وفي مقدمتها ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي.
قد تصل الحوارات، إن جرت بين القوى الشيعية، إلى حلول، لكنها بالمطلق حلول وقتية تسهم فقط في مدّ عمر العملية السياسية من دون إصلاحها، لأن هذه القوى المشكلة للمشهد السياسي العراقي منذ 2003، غير قادرة على الإصلاح، لأنها أصلا لا تملك أدواته، فهي لا تملك مشاريع حزبية أو سياسية بقدر ما هي مشاريع نفعية وحزبية وطائفية ضيّقة، بالتالي، لا يمكن أن يأتيك الإصلاح من فاسد، ولا يمكن أن تأتيك الديمقراطية من كافرٍ بها وغير مؤمن بمسارها، كحال القوى السياسية في العراق.
التمديد لحكومة الكاظمي، الدعوة إلى انتخابات مبكرة، التوصل إلى تفاهم من أجل تشكيل حكومة مؤقتة، وغير ذلك من حلول، ستبقى حلولا غير واقعية لا تنفع لمداواة واقع عراق اليوم، وهي في أحسن الأحوال وصفة لمدّ عمر العملية السياسية ليس إلا.
جرّب العراقيون الانتفاضة ضد هذا النظام والثورة ضده بمنتهى السلمية، غير أنهم جوبهوا بالقتل والاعتقال والاختطاف والتهديد والتشريد، وما قام به أنصار مقتدى الصدر من اقتحام متتالٍ للمنطقة الخضراء ما كان لهم أن يقوموا به، لولا أنهم أتباع زعيم ديني يمتلك مليشيات مسلحة تخشاها حتى السلطة، في وقت كان الشباب العراقيون من متظاهري تشرين 2019 يُقمعون ويقتلون بمجرّد تظاهرهم أمام جسر الجمهورية المؤدي إلى المنطقة الخضراء.

ضغطة خاطئة على زناد بندقية صدئة قد تقود العراق إلى مجهول المواجهات المسلحة، والتي لن يكون العراق وحده ضحية لها

أمام هذا الواقع، تطرح تساؤلات في ما إذا كانت العملية السياسية ستمضي على علاتها، أم هناك حلول أخرى على القوى العراقية أن تفكّر بها، ولعلنا هنا نشير إلى قضية تدويل الملف العراقي، بمعنى أن يكون هناك تدخل دولي من أجل منع وصول العملية السياسية إلى لحظة المواجهة المسلحة، وما قد تجرّه على العراق والمنطقة من ويلات.
الأمم المتحدة ومن خلفها المجتمع الدولي، يجب أن تكون لهما كلمة في واقع العراق، ولعل تغريدة المقرّب من مقتدى الصدر يوم السبت الماضي التي دعا فيها الأمم المتحدة إلى لعب دور في العراق، يمكن أن تكون بداية لهذا الدور من خلال جمع القوى السياسية العراقية على عواهنها، والبدء بمسار سياسي جديد يقوم على إعادة كتابة الدستور ليكون دستورا عراقيا لا دستورا للمكونات العراقية، وأن يُصار إلى تشكيل حكومة مؤقتة، تأخذ على عاتقها التمهيد لانتخابات جديدة يرافق ذلك حلّ الأحزاب السياسية، أو على الأقل تفعيل قانون الأحزاب وإجبار كل القوى السياسية التي تمتلك مليشيات على إخضاع مليشياتها للدولة وحكومتها.
قد يبدو ذلك ضربا من الخيال، ولكن ما دعت إليه بعض الصفحات المقرّبة من مقتدى الصدر، وما تحدّث به بعض القادة السياسيين العراقيين خلال اليومين الماضيين، يؤكد أن الجميع بات متيقنا أن العملية السياسية وصلت إلى نهاياتها، وأن ترك الأمور بيد الشارع والجمهور المحتقن والساسة المأزومين قد يقود العراق للدخول في نفق أكثر ظُلمة مما يعيشه العراق الآن، خصوصا وأن أغلب القوى السياسية المتناحرة اليوم تمتلك مليشيات مسلحة، وربما ضغطة خاطئة على زناد بندقية صدئة قد تقود العراق إلى مجهول المواجهات المسلحة، والتي لن يكون العراق وحده ضحية لها، وإنما قد تمتد إلى الإقليم، خصوصا وأن هناك أطرافا داخل العملية السياسية في العراق تعتقد أن ما يجري هو مؤامرة من أطراف عربية وإقليمية.



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>