العراق وإيران والنكبات العربية

العربي الجديد

العراق وإيران والنكبات العربية

  • منذ 1 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:

العراق مثال صارخ على التدخلات الإيرانية في شؤون بعض دول العالم العربي. ولا يختلف اثنان، من قريب أو بعيد، على أن طهران هي التي تعطّل تشكيل حكومة جديدة وانتخاب رئيس للدولة، وتريد فرض حلفائها بالرغم من مخالفة كل مجريات العملية الانتخابية. ومنذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تضع كل ثقلها لمنع ترجمة نتائج الانتخابات التشريعية على نحو دستوري، لأن الأطراف الشيعية المحسوبة عليها، والمعروفة باسم "الإطار التنسيقي"، خسرت الأغلبية في مجلس النواب، وبات الطريق مفتوحا أمام حكومةٍ يشكّلها الائتلاف الذي فاز بالأكثرية، وهو مكوّن من التيار الصدري، صاحب الحصة الأكبر في الوسط الشيعي، الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي حصل على الأكثرية بين القوى الكردية، والتحالف السنّي المعروف باسم "السيادة". ومعروفٌ أن هذه الأطراف أكثر استقلالية في ما يخص العلاقة مع إيران، ولا تلتقي معها في مواقف كثيرة تخصّ العلاقات الثنائية والشؤون الإقليمية والدولية. وتطوّرت خلافات حلفاء إيران مع بعضها في الأعوام الأخيرة إلى نزاعات علنية، كما الحال بين الزعيم مقتدى الصدر من جهة، ورئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي وفصائل الحشد الشعبي من جهة أخرى، وكذلك الأمر مع الرئيس السابق للإقليم الكردي، مسعود البرزاني، بسبب محاولات فرض مرشّح كردي لرئاسة العراق قريب من طهران. وبالتالي، ما يشهده الشارع العراقي من حراك هو في صلب هذه المشكلة التي باتت معقدة، وتهدّد بعواقب كارثية على العراق لا تستثني أحدا.

مصير أربعة بلدان عربية صار مربوطا بإيران. تناور بها وتستخدمها في صراعاتها الإقليمية والدولية. أصبح العراق، لبنان، سورية، واليمن، رهائن بيد طهران تساوم عليها في مزاداتها مع الولايات المتحدة وأوروبا وإسرائيل. وفي كل بلد من هذه البلدان تُمسك بقدر أساسي من أوراق الحل والربط، والمقدرات الاقتصادية والشأنين السياسي والأمني، ولذلك لم يحصل أي تحرّك داخلي للاحتجاج الداخلي في أي من هذه البلدان، من دون أن يضع التدخلات الإيرانية في مقدمة أسباب الانهيار المريع، الذي يهدد بتفكّك هذه البلدان وسقوط الدولة فيها، بعد أن دمرتها الحروب الأهلية التي أشعلها حلفاء إيران، ولا تزال تغذّيها بقوة بتأجيج الطائفية لتخريب العالم العربي من أجل الاستيلاء عليه. وما كان ذلك ليتم من دون تفاهم مع الولايات المتحدة التي تتحمّل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن نتائج احتلال العراق عام 2003، ووضع الأساس للعملية السياسية على أساس المحاصصة الطائفية، ومن ثم انسحاب إدارة باراك أوباما لصالح إيران، وعدم مساعدة الشعوب في هذه البلدان من أجل الوصول إلى خيارات ديمقراطية على أسس سليمة.

تتولّى طهران مهمة تعطيل كل إمكانية مهما كانت متواضعة، من أجل عودة الدولة أو حصول تفاهم بين الأطراف الأساسية، ولديها أجندة خاصة في كل بلد من البلدان الأربعة. في العراق تتحكّم بمصيره سياسيا واقتصاديا وأمنيا، ولذا ليست هناك علاقة جيدة تربطها بطرف من خارج الكتل الشيعية الموالية لها. وفي الأعوام الأخيرة، تراجعت علاقاتها مع العرب السنّة والأكراد بسبب رفع منسوب تدخلاتها وشهوتها التي بلا حدود للسيطرة على القرار والتحكّم بخيارات هذا البلد. وفي ما يخص الطائفة الشيعية، تراجعت مساحة الاختلاف في وجهات النظر قريبا من الدرجة صفر، وهذا هو سبب النزاع مع مقتدى الصدر، والذي وضعه اعتراضه على بعض السياسات الإيرانية تجاه العراق في الهامش الشيعي. وصار واضحا أن إيران تريد لشيعة العراق أن يكونوا ملحقين بها، وألا يضعوا مصير العراق ومستقبله في حسابهم. وهي في الحالين غير معنية بمصير الطائفة التي تواجه الأغلبية العظمى منها أوضاعا مزرية في بلد نفطي، بقدر ما تستخدمها لتحقيق أهدافها الخاصة.



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>