أبرز المحطات التي أوصلت عرفات لاتفاق أوسلو

وكالة خبر الفلسطينية

أبرز المحطات التي أوصلت عرفات لاتفاق أوسلو

  • منذ 2 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:

 

 
 لعبت التغيرات التي حدثت على الساحة الدولية والإقليمية والمحلية من منتصف السبعينات وحتى بداية التسعينات من القرن الماضي دورًا مهمًا في تغير مسار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ودفع منظمة التحرير الفلسطينية لتوقيع اتفاق أوسلو.
فعلى الصعيد المحلي، قامت منظمة التحرير في الدورة الحادية عشر للمجلس الوطني عام 1974، بتأكيد رفضها لقرار مجلس الأمن رقم 242 الذي يطمس حقوق الشعب الفلسطيني ويتعامل مع قضية الشعب الفلسطيني كمشكلة لاجئين، وعلى أن تناضل المنظمة بكافة الوسائل وعلى رأسها الكفاح المسلح لتحرير الأرض الفلسطينية وإقامة سلطة الشعب الوطنية المستقلة المقاتلة على جزء من الأرض الفلسطينية التي يتم تحريرها .
أما إقليميًا، فقد صرح الرئيس المصري الراحل أنور السادات بأنه "سيفعل أي شيء لتحقيق السلام مع إسرائيل، وحتى الذهاب إلى القدس"، وبعد زيارته للقدس بناءً على دعوة من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، بدأت سلسلة من اللقاءات بين الطرفين برعاية أمريكية وعلى إثرها توصل الطرفين إلى ما سمي باتفاقية كامب ديفيد سنة 1978، التي قامت على أساس إحلال السلام بين مصر وإسرائيل وانسحاب الأخيرة التدريجي من كامل سيناء. واقترح السادات خلال اللقاءات فكرة حكم ذاتي فلسطيني في الضفة وغزة حتى لا يتهم بأنه تخلى عن الفلسطينيين بتوقيعه على اتفاق منفصل مع إسرائيل، ووافق بيغن وجيمي كارتر على الفكرة، وبناءً على الخطة سيكون هناك مرحلة مشاركة في سلطة انتقالية، متبوعة بمفاوضات بين إسرائيل ووفد مشترك أردني – فلسطيني على التسليم النهائي للمناطق. إلا أنه في الوقت الذي نفذ فيه الاتفاق المصري – الإسرائيلي بقي الجانب المتعلق بالقضية الفلسطينية عالقًا .
وفي سنة 1982 شنت إسرائيل حربًا على لبنان من أجل سحق منظمة التحرير الفلسطينية وتحطيم مجتمع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، بناءً على اعتقاد من قادة الليكود بأن إزالة قواعد منظمة التحرير من لبنان سيجبر الفلسطينيين في الأراضي المحتلة على التوصل لاتفاق مع إسرائيل، مما أجبر الرئيس الشهيد ياسر عرفات ورجاله على الخروج من لبنان والذهاب إلى المنفى في تونس .
ومن ثم تلقت منظمة التحرير ضربة سياسية أخرى تمثلت في المبادرة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في 2 أيلول/سبتمبر 1982، والتي أكدت على أن الحرب في لبنان ضد منظمة التحرير تأتي في سياق ردع الإتحاد السوفيتي وعملائه. ونصت المبادرة على أنه لا دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ولا يحق لإسرائيل ضم الأراضي المحتلة وأن تحقيق الحكم الذاتي للفلسطينيين في كل من الضفة وغزة يتم بالارتباط مع الأردن، ونصت أيضًا على التجميد المباشر لمخططات تطوير المستوطنات الإسرائيلية الجديدة في الأراضي المحتلة، وعلى عدم تقسيم القدس على أن يتم تحديد مستقبلها عن طريق المفاوضات، وأخيرًا التزام الولايات المتحدة بحماية أمن إسرائيل، فرفضت منظمة التحرير هذا المشروع كونه يصب في صالح المحتل متجاهلًا حقوق الشعب الفلسطيني .
وبعدها عاد عرفات من تونس إلى طرابلس وخاض مواجهة مع القوات الفلسطينية المتمردة بقيادة أبو موسى، فقد حاول أبو موسى وجماعته السيطرة بالقوة على مراكز فتح في كل من سوريا ولبنان مدعومًا من قبل سوريا وليبيا، مما أدى إلى حدوث اشتباكات أسفرت عن سقوط قتلى. وبالرغم من محاولة القيادتان نفي التهمة إلا أن عرفات صعد من اتهامه للقيادة السورية بالعمل على شق فتح ومنظمة التحرير، وعلى إثر ذلك قررت السلطات السورية في حزيران/يونيو 1983 إبعاد عرفات عن أراضيها. وبعد الانشقاق الفلسطيني داخل حركة فتح والذي حسم لصالح القادة المتمردين على القيادة الفلسطينية سنة 1983، خرجت القوات الفلسطينية مرة ثانية من لبنان إلى مصر حيث استقبلتهم السفن الحربية المصرية في عرض البحر، وأعلن عندها عرفات كسر قرار العزل العربي الذي مورس ضد مصر بعد توقيعها لاتفاق كامب ديفيد.
وفي الدورة السابعة عشر للمجلس الوطني الفلسطيني التي عقدت في 22 كانون ثاني/يناير 1984، طرح الملك حسين على أعضاء المجلس إطار لمبادرة تقوم على أساس نوع من الوحدة الأردنية – الفلسطينية، على أساس التمسك بقرار مجلس الأمن رقم 242 باعتباره أساساً لتسوية سلمية عادلة تقوم على مبدأ الأرض مقابل السلام. وتبنت منظمة التحرير هذا المشروع وجرى التوقيع عليه في شباط/فبراير 1985، ومن أهم ما جاء فيه اعتماد القرارات الدولية كأساس للتحرك، والاعتراف بمبدأ الأرض مقابل السلام، وأن عملية السلام يجب أن تتم من خلال المؤتمر الدولي الذي يجب أن تشارك فيه منظمة التحرير الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني، وفي حال قيام الدولة الفلسطينية تكون العلاقة بين الأردن والمنظمة علاقة كونفدرالية، وفي حال اقتنعت الولايات المتحدة بهذا المشروع فإن على المنظمة أن تقوم بالاعتراف المتبادل مع إسرائيل .
لقد عكس هذا الاتفاق تحسن العلاقة بين منظمة التحرير والأردن التي شابها توتر حاد خلال فترة السبعينات، وعكس أيضًا استجابة المنظمة للضغوط الدولية التي تفضل التعامل مع القضية الفلسطينية من خلال الأردن. إلا أنه لم يكتب لهذا المشروع النجاح بسبب معارضته من قبل بعض الفصائل المنضوية تحت لواء المنظمة، مما أدى لقيام الملك حسين بإيقاف المشروع في 19 شباط/فبراير 1986. وفي 10 نيسان/أبريل1987 التقى الملك حسين في لندن مع شمعون بيرز، واتفق الطرفان على عقد مؤتمر دولي لبحث أزمة الشرق الأوسط، وكان بيرز قد أبدى سابقًا استعداده للتفاوض مع الملك حسين والوصول معه لاتفاق سواءً كان لديه تفويض من منظمة التحرير أو لم يكن .
أما محليًا، فقد كان الحدث الأبرز هو اندلاع انتفاضة الحجارة عام 1987في الضفة الغربية وقطاع غزة، التي استطاعت إعادة إحياء القضية الفلسطينية على الساحة الدولية والإقليمية. واستطاعت الانتفاضة أيضًا كونها عمل فلسطيني بامتياز أن تفرض على الولايات المتحدة الاعتراف بمركزية البعد الفلسطيني ومنظمة التحرير كعنصر هام في اللعبة لا يمكن تجاوزه، مما دفع بإدارة ريغان بتوسيع دائرة الحوار مع منظمة التحرير .
ومن أهم إفرازات الانتفاضة على المستوى الداخلي هو بروز تيار إسلامي منافس للمنظمة على ساحة المقاومة والمتمثل بحركة حماس، وانتقال مركز النضال الوطني الفلسطيني للداخل. وازدياد نفوذ حماس في الشارع الفلسطيني بعد اندلاع الانتفاضة كان له تأثيرًا مباشرًا على القيادة الفلسطينية المقيمة في تونس، فقد خشيت القيادة من أن تسيطر حماس على الانتفاضة وأن تصبح القيادة الواقعية للشعب الفلسطيني في الداخل من خلال المقاومة المسلحة ضد الاحتلال. فقد أدركت القيادة أن الوقت ليس في صالحها وبأن الحل يكمن في تسريع عملية التفاوض والوصول إلى حل ما بأي شكل من الأشكال. مما دفع منظمة التحرير في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988 إلى إعلان وثيقة الاستقلال في الدورة التاسعة عشر لمؤتمر المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر، والتي أكدت المنظمة من خلالها عزمها على الوصول لتسوية سياسية شاملة للصراع العربي الإسرائيلي وجوهره القضية الفلسطينية. وقبولها بقراري مجلس الأمن الدولي 242 و338 اللذان نصا على إحلال السلام العربي الإسرائيلي والاعتراف المتبادل الذي يرافقه انسحاب إسرائيلي من الأراضي التي احتلتها سنة 1967، وموافقتها على الحل القائم على أساس برنامج الدولتين. إلا أن الاتصالات الدبلوماسية بين المنظمة وإسرائيل ظلت على مستوى منخفض وانقطعت في حزيران/يونيو 1990، عندما رفض الرئيس ياسر عرفات إدانة الهجوم الذي قامت به جبهة التحرير الفلسطينية وفصائل منظمة التحرير .
أما دوليًا، فقد شهدت الفترة الممتدة من نهاية 1988 وحتى أوائل 1989 تغيرًا في موازين القوى العالمية. ففي تلك الفترة كان الاتحاد السوفيتي على وشك الانهيار والكتلة الشرقية بدأت تتفكك، مما أدى إلى فقدان المنظمة لدعم حليف رئيسي، وسيطرة الولايات المتحدة الحليف الرئيسي لإسرائيل على العلاقات والمؤسسات الدولية بما فيها الجمعية العامة للأمم المتحدة والهيئات المتفرعة عن المنظمة الدولية .
فأصبحت أزمة الشرق الأوسط وايجاد حل لها من أهم القضايا التي تواجه الولايات المتحدة برئاسة جورج بوش الأب. مما دفع الإدارة الأمريكية لتأليف لجنة خاصة لدراسة الخيارات المفتوحة أمام السياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، التي قدمت تقريرًا بعنوان البناء من أجل السلام .
وكان لحرب الخليج الثانية سنة 1991 الأثر الأبرز على الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، فقد ازدادت معاناة الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج طوال فترة حرب الخليج، فتعرض الفلسطينيون في الأراضي المحتلة لحصار إسرائيلي مرير مما انعكس بشكل سلبي على النواحي الاقتصادية والاجتماعية والأمنية، بينما تعرض الفلسطينيون في الخارج لموجة من التهجير شملت مئات الآلاف من الفلسطينيين من دول الخليج. إضافة إلى قيام دول الخليج بقطع التمويل عن منظمة التحرير عقابًا على موقفها من احتلال العراق للكويت .
ومن جهة أخرى كان لدى الاحتلال الإسرائيلي عدة اعتبارات دفعته للذهاب لأوسلو، أبرزها التحولات على الساحة الفلسطينية والمتمثلة بظهور الحركة الإسلامية وتقدمها مع اندلاع الانتفاضة، والذي بدوره ولد لدى الجانب الإسرائيلي تخوفًا من الاضطرار يومًا ما للتفاوض مع الحركات الإسلامية، ففضلوا التعامل من منظمة التحرير التي كانت قد قطعت شوطًا في العلاقات مع إسرائيل والولايات المتحدة بتشجيع عربي عام. إضافة لما سبق، فقد شكلت الانتفاضة عامل قلق كبير للاحتلال، لأسباب لها علاقة بيقظة الشعب وتحركه وهو سبب كاف لغلق الأبواب أمام مبادرة الشعب. فيبين ممدوح نوفل أنه لولا وجود الانتفاضة وما مثلته من ضغط كبير على الاحتلال، لما قبل شامير بوجود مسار فلسطيني – إسرائيلي في إطار مؤتمر السلام، ولما قبل الجلوس وجهًا لوجه مع الوفد الفلسطيني .
فاستغلت الولايات المتحدة التغير في ميزان القوى الإقليمي، مستفيدة من برنامج السلام الذي أطلقته منظمة التحرير قبل حرب الخليج من أجل عقد مؤتمر السلام في مدريد سنة 1991 وبدأ المفاوضات الثنائية الإسرائيلية – العربية، والإسرائيلية – الأردنية – الفلسطينية. وشمل إطار المفاوضات التي أدارها وزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر مسارين مسار ثنائي الأطراف بين كل من إسرائيل و سوريا، وإسرائيل ولبنان، وإسرائيل والأردن. ومسار متعدد الأطراف لمناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك في المنطقة من خلال جهد الأطراف الإقليمية ودعم المجتمع الدولي .
لقد فرضت هذه المفاوضات على الفلسطينيين شروطًا مجحفة أهمها وضع الوفد الفلسطيني تحت المظلة السياسية للوفد الأردني بسبب عدم موافقة إسرائيل أن يكون الوفد الفلسطيني مستقلاً، ورفض قدوم الوفد الفلسطيني إلى المؤتمر أو إلى المفاوضات التي تلته باسم منظمة التحرير الفلسطينية وإنما بصفته ممثلًا لسكان المناطق المقصود بها سكان المناطق المحتلة في الضفة والقطاع، وأيضًا رفض انضمام مندوبين من مناطق اللجوء الفلسطيني في الدول العربية أوالأجنبية، ومندوبين عن مدينة القدس. إلا أن الوفد الفلسطيني برئاسة الراحل حيدر عبد الشافي أعلن بصراحة أن الوفد يمثل الشعب الفلسطيني كله وأنه يتلقى الأوامر مباشرة من منظمة التحرير، إلا أن هذا الموقف لم يغير من شروط التشكيل المفروضة على الوفد .
وعلى إثر المؤتمر جرت مفاوضات مباشرة بين الوفد الفلسطيني والإسرائيلي في واشنطن، وتمسك خلالها الوفد الفلسطيني بضرورة أن يتم وقف الإستيطان في الأراضي المحتلة وأن توقف عمليات القتل والاعتقال في صفوف الفلسطينيين إذا ما أريد للمفاوضات أن تتقدم. إلا أن المفاوضات بين الطرفين لم تحرز أي تقدم بسبب إصرار الوفد الفلسطيني على مطالبه والرعاية الأمريكية للموقف الإسرائيلي. وهناك رواية تفيد بأنه عندما اطمأن عرفات بأن اسحق رابين يعرف بقناة أوسلو بدأ يطلب من الوفد المفاوض في واشنطن أن يتخذ مواقف مبدئية متصلبة، هادفًا من ذلك إلى إغلاق الطريق على مفاوضات واشنطن كي تظهر قناة أوسلو باعتبارها الخط الموصل الوحيد. فشمعون بيرز كان ضد مفاوضات واشنطن، وكان مقتنعًا بضرورة التفاوض مع عرفات شخصيًا والحصول على توقيعه، فأشار على عرفات أن يركز على قناة أوسلو ولا يضيع وقته مع فيصل وحيدر. إضافة إلى عودة أحمد قريع من أوسلو مقتنعًا بضرورة إفشال مفاوضات واشنطن وأن بيرز صادق فيما يقول، لأن إفشال مفاوضات واشنطن ستدفع رابين لاعتماد قناة أوسلو بصورة رسمية ونهائية .
وفوجىء الوفد المفاوض في واشنطن فيما بعد بأن هناك مفاوضات سرية موازية كانت تجري بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي في أوسلو النروجية. وأسفرت هذه المفاوضات عن اتفاق إعلان المبادىء والذي عرف باتفاق أوسلو أو اتفاق غزة - أريحا الذي وقع في 13 أيلول/سبتمبر 1993 بين منظمة التحرير ممثلة بأمين سر اللجنة التنفيذية آنذاك محمود عباس وبين إسرائيل الممثلة بوزير خارجيتها بيرز. لقد تم التوصل لهذا الاتفاق بعد انقضاء اثنين وعشرين شهرًا وعشر جولات من المفاوضات التي تمت منذ انعقاد مؤتمر مدريد، وقد جرى الإعداد لهذا الاتفاق في سرية تامة وبعيدًا عن جولات المفاوضات الثنائية أو المتعددة الأطراف، كما أن الإعلان عنه تم بعد أن أخذ شكله النهائي .
لقد شكل الوفد المفاوض في واشنطن هاجسًا لعرفات، فأعضاء الوفد كانوا يتصرفون كالنجوم، إضافة للإعلام الخارجي الذي لعب دورًا في الترويج بأنهم قيادة بديلة لمنظمة التحرير، فوفقًا لتعبير عرفات " فإنه يبدو أن رأسهم تخنت". وتجدر الإشارة هنا إلى أن مشروع غزة – أريحا قد سبق أن طرح من قبل سايروس فانس على السادات سنة 1977، ونقله بدوره إلى كل من عرفات والشهيد أبو إياد، إلا أن منظمة التحرير قامت برفضه آنذاك. إلا أن التغيرات التي سبق ذكرها جعلت ما كان مرفوضًا بالأمس مطلوبًا اليوم .
لقد تعرضت القضية الفلسطينية لعدد من الأحداث المتلاحقة التي أثرت على مكانة منظمة التحرير وعلى تصدرها للمشهد السياسي منها تغيرات على الساحة الدولية ومنها إقليمية ومحلية، إلا أن الباحث يرى بأن الأحداث التي حصلت على الساحة المحلية والمتمثلة بانتفاضة الحجارة، وبروز منافس إسلامي على ساحة المقاومة الداخلية ومحاولة إبعاد منظمة التحرير عن دائرة المفاوضات في واشنطن كلها مجتمعة دفعت عرفات إلى محاولة التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل يكون فيه هو الممثل للشعب الفلسطيني، متخوفًا من تكوين قيادة بديلة في الداخل أو من أن يحل الوفد المفاوض مكان منظمة التحرير.
لقد استند اتفاق أوسلو على الاعتراف المتبادل بين إسرائيل ومنظمة التحرير، واحتوى الاتفاق على سبعة عشر بندًا، ونص على إجراء مفاوضات للانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية وغزة على مرحلتين: الأولى، وهي المرحلة الإعدادية والتي تبدأ في تشرين أول/أكتوبر 1993 وتنتهي بعد ستة أشهر وتجري فيها المفاوضات على محورين: الأول، يشمل الانسحاب الإسرائيلي من غزة وأريحا، وينتهي هذا الانسحاب في غضون شهرين، ويجري انتقال سلمي للسلطة من الحكم العسكري والإدارة المدنية الإسرائيلية إلى ممثلين فلسطينيين تتم تسميتهم لحين إجراء انتخابات المجلس الفلسطيني، وأن مهام السلطة الفلسطينية لا تشمل الأمن الخارجي والعلاقات الخارجية والمستوطنات في المناطق التي سينسحب الجيش الإسرائيلي منها، أما فيما يتعلق بالأمن الداخلي فسيكون من مهام قوة شرطة فلسطينية يتم تشكيلها من فلسطينيي الداخل والخارج مع وجود لجنة للتعاون الأمني المشترك، وبعد التوقيع على هذه الاتفاقية تنسحب إسرائيل تدريجياً في غضون أربعة أشهر .
أما المحور الثاني من المرحلة الأولى فينص على تشكيل سلطة حكم فلسطيني انتقالي تتمثل في مجلس فلسطيني منتخب يمارس سلطات وصلاحيات في مجالات محددة ومتفق عليها لمدة خمس سنوات انتقالية، ولهذا المجلس حق الولاية على كل الضفة وغزة في مجالات الصحة والتربية والثقافة والشؤون الاجتماعية والضرائب المباشرة والسياحة إضافة إلى الإشراف على القوة الفلسطينية الجديدة، ما عدا القضايا المتروكة لمفاوضات الحل النهائي مثل: القدس، والمستوطنات، والمواقع العسكرية، والإسرائيليين المتواجدين في الأرض المحتلة. أما انتخابات المجلس التشريعي فينص الاتفاق على أن تتم تحت إشراف دولي يتفق الطرفان الفلسطيني والإسرائيلي عليه، وتتم هذه العملية في موعد أقصاه تسعة أشهر من دخول الاتفاقية حيز التنفيذ الفعلي أي في 13 تموز/يوليو1994، وتحدد الاتفاقية من يحق لهم المشاركة في تلك الانتخابات خاصة من القدس. أما نظام الانتخاب وقواعد الحملة الانتخابية وتنظيمها إعلامياً وتركيبة المجلس وعدد أعضائه وحدود سلطاته التنفيذية والتشريعية فكلها أمور متروكة للمفاوضات الجانبية بين الطرفين. وعلى أن يقوم المجلس بعد تسلمه صلاحياته بتشكيل بعض المؤسسات التي تخدم التنمية .
أما المرحلة الثانية وهي المرحلة الانتقالية، فتبدأ بعد الانسحاب الإسرائيلي من غزة وأريحا، وتستمر لمدة خمس سنوات تجرى خلالها انتخابات عامة حرة مباشرة لاختيار أعضاء المجلس الفلسطيني الذي سيشرف على السلطة الفلسطينية الانتقالية، وعندما يتم ذلك تكون الشرطة الفلسطينية قد استلمت مسؤولياتها في المناطق التي تخرج منها القوات الإسرائيلية خاصة تلك المأهولة بالسكان، وتحث الوثيقة على ضرورة التعاون الإقليمي في المجال الاقتصادي من خلال مجموعات العمل في المفاوضات متعددة الأطراف، أما بالنسبة لمفاوضات الوضع النهائي فقد نصت الوثيقة على أن تبدأ بعد انقضاء ما لا يزيد عن ثلاث سنوات، وتهدف إلى بحث القضايا العالقة مثل: القدس، والمستوطنات، واللاجئين، والترتيبات الأمنية، والحدود، وما يجده الطرفان من قضايا أخرى ذات اهتمام مشترك، كل ذلك كان يجب بحثه استناداً إلى قراري مجلس الأمن الدولي 242 و338 .
فالقضايا الجوهرية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لم يشملها الاتفاق وإنما تم تأجيلها، فمن وجهة نظر الكاتب لم يكن بالمقدور التوصل للاتفاق إلا من خلال تأجيل هذه القضايا والتي تشمل القدس وحق العودة والمستوطنات والحدود وغيرها إلى مفاوضات الوضع النهائي، إلا أنه وبعد مرور ما يناهز ثلاثة عقود من الزمن مازالت هذه القضايا عالقة والمفاوضات حولها مستمرة لغاية الآن. فالجانب الفلسطيني ملزم بتنفيذ بنود الاتفاق تحت ضغط دولي وإقليمي، بينما العدو الإسرائيلي مازال يمارس نفس سياساته متجاهلًا الاتفاق والقوانين الدولية، مستثمرًا الوقت لتغيير معالم القدس وتهدويدها، وتسمين المستوطنات والاستيلاء على الأراضي من خلال توسيعها بشكل أفقي لضم الضفة الغربية.


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>