خطبة الجمعة لسماحة الشيخ علي دعموش 16-9-2022

موقع المنار

خطبة الجمعة لسماحة الشيخ علي دعموش 16-9-2022

  • منذ 2 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:
نص الخطبة‏
(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ *
وعن الامام الباقر (ع) في قوله عز وجل: ” فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ ” قال: وهي بيوتات الأنبياء والرسل والحكماء وأئمة الهدى
الأماكن المقدسة والمشاهد المشرفة للأئمة الاطهار(ع) هي مصداق من مصاديق بيوت الله التي امر الله برفع قدرها وتعظيمها، لأنها الاماكن التي يذكر الله فيها ويعبد الله فيها ويطاع الله فيها، فهي من شعائر الله التي ينبغي تعظيمها (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).
ولذلك فقد ورد الحث على زيارة الائمة في هذه الاماكن وزيارة الامام الحسين(ع) في الاربعين اي في العشرين من صفر، لما لهذه الزيارة من فوائد روحية واجتماعية فهي تعزز ارتباط الانسان بالله والانقياد إليه والالتزام بطاعته وتزيد من رابطة الولاء بين الأئمة واتباعهم وتذكر المؤمنين بأخلاقهم وجهادهم وتضحياتهم وتعاليمهم وتجمع المسلمين في مشاهدهم فيتعارفوا ويتآلفوا ويتعلموا من خلال مضامين الزيارات حقيقة التوحيد وعظمة المبادئ والقيم الإسلامية لمن تقصده بمشية.
ولذلك كان الموالون والمحبون على مر التاريخ يخرجون لزيارة سيد الشهداء في كربلاء في مختلف الظروف وكانوا يخرجون مشيا على الاقدام بقصد زيارته لا سيما في الاربعين ويتحملون الجهد والعناء والتعب والالم وأحيانا الجوع والعطش والمخاطر بسبب ذلك.
وقد يقال ان المطلوب هو الزيارة، فلماذا يتعب الانسان نفسه بالمشي مع إمكان الوصول الى مقام سيد الشهداء بطرق اخرى ايسر واهون وأسرع ؟ لماذا تضييع الوقت والجهد في المشي ؟ أليس قضاء الوقت وبذل الجهد في نفس الزيارة والعبادة أولى من بذلهما في المشي الطويل وإضاعة الوقت؟!
والجواب:
اولا: ان المشي يعبر عن نوع من التواضع والاحترام والتعظيم لمن تقصده بمشيك وهذا النوع من التعظيم لا يعكسه الركوب بالسيارة او غيرها مثلا ففرق بين ان تقصد انسانا وانت راكب في سيارتك وبين ان تقصده وانت ماش اليه على رجليك فان الماشي يوحي بنوع من الاحترام له والاهتمام به لا يوحيه الانسان اذا جاء اليه راكبا .
ثانيا ان المشي وان لم يكن عبادة بحد ذاته لكنه يصبح عبادة عندما يكون وسيلة ومقدمة الى طاعة وعبادة ولان زيارة الأئمة من الطاعات فيكون المشي اليها مقدمة للطاعة.
ولذلك قالوا لو ان انسانا نذر ان يمشي مطلقا لا بقصد شيء الا المشي لم يجب الوفاء به لانه ليس بحد ذاته طاعة بينما لو نذر المشي الى حرم النبي او اي مقام من مقامات الأئمة فانه يجب الوفاء به لان زيارتهم من الطاعات التي يتقرب الانسان بها الى الله.
ومن هنا حثت الروايات على المشي الى العديد من الطاعات والعبادات والمقامات المقدسة ومنها المشي الى مقام الامام الحسين لان هذا النوع من المشي هو مقدمة للطاعة والعبادة وهو يظهر مدى  التواضع والاحترام والتعظيم من قبل الانسان الماشي لهذه الطاعات والمقامات المشرفة .
فقد جعلت الروايات ثوابا كبيرا لمن يمشي مثلا الى المسجد، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من مشى إلى مسجد من مساجد الله فله بكل خطوة خطاها حتى يرجع إلى منزله عشر حسنات، ومحى عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات.
كذلك جعلت الروايات ثوابا عظيما لمن يمشي الى الحج او الى بيت الله الحرام.
فعن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما عبد الله بشئ أفضل من الصمت والمشي إلى بيته.
وعن الامام الباقر (عليه السلام) قال: قال ابن عباس: ما ندمت على شئ صنعت ندمي على أن لم أحج ماشيا، لأني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: من حج بيت الله ماشيا كتب الله له سبعة آلاف حسنة من حسنات الحرم، قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم ؟ قال: حسنة ألف ألف حسنة.
ومن بين الموارد التي ورد الحث في الروايات المشي الى زيارة الامام الحسين حيث دلت على فضله وثوابه روايات كثيرة.
منها: ما ورد عن إلامام الصادق عليه السلام: من خرج من منزله يريد زيارة الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهما السلام إن كان ماشيا كتب الله له بكل خطوة حسنة، وحط بها عنه سيئة.
وعن أبي الصامت قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام وهو يقول: من أتى قبر الحسين عليه السلام ماشيا كتب الله له بكل خطوة ألف حسنة، ومحى عنه ألف سيئة ورفع له ألف درجة،
وفي هذا المعنى روايات كثيرة رواها علماؤنا الكبار في كتبهم.
وقد اثنى الأئمة على من يقصد زيارة الحسين من خلال الدعاء لهم بالمغفرة والرحمة.
فعن معاوية بن وهب قال: استأذنت على أبي عبد الله عليه السلام فقيل لي: أدخل فدخلت فوجدته في مصلاه في بيته فجلست حتى قضى صلاته فسمعته وهو يناجي ربه ويقول: ” يا من خصنا بالكرامة وخصنا بالوصية و وعدنا الشفاعة وأعطانا علم ما مضى وما بقي وجعل أفئدة من الناس تهوي إلينا اغفر لي ولإخواني ولزوار قبر أبي [عبد الله] الحسين (عليه السلام) الذي أنفقوا أموالهم وأشخصوا أبدانهم رغبة في برنا ورجاء لما عندك في صلتنا وسرورا أدخلوه على نبيك صلواتك عليه وآله وإجابة منهم لامرنا وغيظا أدخلوه على عدونا أرادوا بذلك رضاك فكافهم عنا بالرضوان واكلأهم بالليل والنهار واخلف على أهاليهم وأولادهم الذي خلفوا بأحسن الخلف وأصحبهم واكفهم شر كل جبار عنيد وكل ضعيف من خلقك أو شديد وشر شياطين الإنس والجن وأعطهم أفضل من أملوا منك في غربتهم عن أوطانهم وما آثرونا به على أنبائهم وأهاليهم وقراباتهم، اللهم إن أعدائنا عابوا عليهم خروجهم فلم ينههم ذلك عن الشخوص إلينا وخلافا منهم على من خالفنا فارحم تلك الوجوه التي قد غيرتها الشمس وارحم تلك الخدود التي تقلبت على حفرة أبي عبد الله (عليه السلام) وارحم تلك الأعين التي جرت دموعها رحمة لنا وارحم تلك القلوب التي جزعت واحترقت لنا وارحم الصرخة التي كانت لنا، اللهم إني أستودعك تلك الأنفس وتلك الأبدان حتى نوافيهم على الحوض يوم العطش ” فما زال وهو ساجد يدعو بهذا الدعاء .
هذه الثقافة هي التي تدفع بكل تلك الحشود للمشي في كل سنة من كل مكان وخاصة من النجف الى كربلاء بقصد زيارة سيد الشهداء
لقد تحولت هذه الحشود في كربلاء الى صرخة بوجه المستكبرين والظالمين والفاسدين وهي ابلغ تعبير عن رفض الشعوب للقهر والظلم والاذلال والفساد الذي بات سمة عامة في بلدان عديدة ومنها لبنان الذي يعاني من الحصار والاذلال الامريكي والفساد السياسي والاداري والمالي مما تسبب بأسوء أزمة اقتصادية ومعيشية في تاريخ لبنان .
بعض الخطابات والنقاشات التي سمعناها بالامس من بعض النواب والسياسيين ونسمعها في كل يوم من البعض هي للاستهلاك والمزايدة لا تقدم ولا تؤخر ولا تغني من جوع، وأولويات الناس لم تعد في الاستماع لمثل هذه العراضات والمزيدات والمناكفات العقيمة لانها لا تقارب ولا تعالج مشاكلهم الحقيقية، الاولوية لدى الناس وما يهم المواطن اللبناني اليوم هو الدخول في برامج إنقاذ مجدية وحقيقية تمنع الانهيار الكامل وتوصل البلد الى نتائج ملموسة ، توقف ارتفاع الدولار الذي صار باربعين الفا وتحول العتمة التي يعاني منها اللبنانيون الى نور وتدفع بالعام الدراسي الى الانطلاق بصورة طبيعية كي لا يضيع على ابنائنا وتجعل الدولة حاضرة وفاعلة بمؤسساتها واجهزتها وليست غائبة وغير موجودة.
لقد اصبح لبنان على مشارف الانهيار الشامل، وبدل ان نشغل الناس بسجالات وخلافات وملفات سياسية ليست أولوية ولا توصل البلد الى نتيجة، يجب ان تنصب جهود الجميع على التفاهم والتعاون وتجاوز الخلافات والعمل على ايجاد حلول حقيقية تخرج البلد من الازمات وتوفر للناس متطلبات العيش الكريم .
صحيح ان هناك استحقاقات دستورية مهمة، لكن الاستحقاق الداهم والاساسي هو كيفية مواجهة الازمات المعيشية والخروج منها وانقاذ البلد من الانهيار، والرهان الحقيقي في ذلك هو على استعادة الثروات والحقوق النفطية وليس على اي شيء اخر.


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>