لماذا ترفض اليونان اليد الممدودة إليها من تركيا؟

ترك برس

لماذا ترفض اليونان اليد الممدودة إليها من تركيا؟

  • منذ 2 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:
توران قشلاقجي - القدس العربي
عاد التوتر من جديد على العلاقات التركية – اليونانية مؤخرا في ظل سياسة ذات وجهين ينتهجها رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، ضد تركيا. فهو يحاول أن يفرض المطالب اليونانية المتطرفة على أنقرة بسياسة الأمر الواقع في بحر إيجة وشرق البحر الأبيض المتوسط، وعلى سبيل المثال، قام الجيش اليوناني قبل أيام بإقفال رادارات المقاتلات التركية المشاركة في مهمة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، واستمر في تسليح جزيرتي «ميديلّي» و«سيسام» بعربات مدرعة في انتهاك للقانون الدولي من جهة، ومن جهة أخرى، يتحدث ميتسوتاكيس عن فكرة المصالحة، كما قال في خطابه خلال اجتماع الدورة 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وحرص هناك على استخدام خطاب مفاده أن اليونان لا تشكل تهديدا لتركيا، وهي ليست عدوا بل جارة. وبهذه الطريقة، يحاول أن ينتهج سياسة تضايق وتستفز الجارة تركيا، وأن يظهر الأخيرة بأنها «عدوانية» عبر تقديم شكوى ضدها لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، هناك جشع كبير وسوء تقدير يكمنان وراء هذا السعي.
من الواضح أن السبب الأساسي وراء انزعاج اليونان في السنوات الأخيرة، هو ارتقاء قوة تركيا إلى مستوى أعلى في الساحة الدولية، كما أن توسع وجود تركيا العسكري من سوريا والعراق وليبيا إلى قره باغ في الفترة الماضية، وبروز قيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في جهود الوساطة خلال الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، يعدان من التطورات اللافتة للانتباه في العالم. وتعتبر اليونان تعاونها مع الولايات المتحدة وفرنسا، والدعم الذي تحصل عليه من الاتحاد الأوروبي، بمثابة فرصة لمضايقة الجانب التركي. وتدعم واشنطن أيضا سياسة حكومة ميتسوتاكيس لتحقيق التوازن بين نفوذ تركيا في المنطقة وترسيخ نفسها بقوة أكبر في غرب البلقان وجنوب شرق أوروبا.
من الضروري في هذا الصدد التطرق إلى التاريخ اليوناني، فعندما يتم ذكر تاريخ بحر إيجة والتاريخ اليوناني، عادة ما يتبادر إلى الذهن تاريخ أجداد اليونانيين الموجودين حاليا، وأول دراسة أجريت لمعرفة حقيقة هذا التاريخ من قبل المؤرخ المعروف في بدايات القرن العشرين جاكوب فيليب فالمير، عندما نشر فالمير دراسته ضمن كتاب عام 1930، تبين أن العرق اليوناني في أوروبا قد انتهى مع الهجرات السلافية في القرن الثامن، لأن الغزوات التي جرت إبان انهيار الإمبراطورية الرومانية تسببت في حدوث تغيير عرقي كبير، وكان الغزاة الأوائل قبائل جرمانية مثل القوط والوندال، تلاهم الهون والآفار. وفي القرن الثامن، هاجر السلاف إلى اليونان، واستولوا على هذا البلد، وكان لهم دور مؤثر في إفساد العرق اليوناني.
لم ينته التغيير في التركيبة السكانية لليونان بغزو السلاف، فقد تعرض هذا البلد للغزو من قبل الفرنجة في القرن الثاني عشر، والألبان في القرن الرابع عشر. وجاء الأتراك في القرن الخامس عشر وأصبحوا سادة اليونان. وهكذا تعرفت اليونان على الثقافة التركية – الإسلامية. وكما يتضح من كل ما ذكرناه، من الصعب التفكير في أن اليونانيين الحاليين هم اليونانيون القدماء نفسهم من حيث العرق والثقافة. وعلى الرغم من عدم بقاء روابط أخرى بينهما باستثناء الأحرف الأبجدية واللغة التي يتحدثون بها، فإن اليونان الموجودة في الوقت الراهن هي أرض اليونانيين القدماء. ومثلما كان القدماء، يطلق اليونانيون في يومنا على أنفسهم اسم «إيلين» (Elen)، وأصلها «هيللين» (Hellen). والبلد الذين يعيشون فيه، أي اليونان، حافظ على اسمه منذ فترة اليونان القديمة، وهو «هيلاس»(Hellas) أو «إيلاس» (Ellas) في شكله المعاصر.
لكن المكان الذي وضعت فيه أسس الحضارة اليونانية القديمة، ليس في أراضي اليونان الحالية، بل في المدن الأيونية التي أنشئت في المناطق التركية المطلة على بحر إيجه حاليا، وعلى سبيل المثال، عاش هوميروس، مؤلف الملاحم (الإلياذة والأوديسة) التي تعتبر أولى المؤلفات التذكارية للأدب الغربي، في مدينة إزمير التركية، وكانت تُعرف سابقا باسم سميرنا. كما عاش هيرودوت، الذي يعتبر أول مؤرخ بالعالم، في مدينة بودروم التركية.
خلاصة الكلام؛ من الواضح جدا أن الدول الغربية تحرض اليونان، التي يبلغ عدد سكانها الحاليين 10 ملايين، ضد تركيا. ومن المعلوم أن الدول الغربية وقفت دائما إلى جانب اليونان في مواجهة تركيا لأسباب ثقافية ودينية، ويعيش في الأراضي اليونانية حاليا أكثر من 150 ألف تركي، ولم يكن الرأي العام التركي يرى في اليونان خطرا كبيرا حتى وقت قريب، رغم الانطباع الذي تشكل بحقها في حرب الاستقلال التي أطلقتها عام 1920. لكن في المقابل، كانت تركيا ولا تزال في قلب هواجس ومخاوف السياسة اليونانية منذ سنوات طويلة. ويعلم الشارع التركي جيدا بأن بعض الدول الغربية تقف وراء رفض رئيس الوزراء اليوناني ميتسوتاكيس، لليد التي يمدها لهم الرئيس أردوغان. أمّا الهدف المزعوم لتلك الدول، فهو التأثير على الانتخابات التركية المزمع إجراؤها عام 2023.

عن الكاتب



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>