رحلة معاناة طفل عراقي أُصيب بالإيدز نتيجة دم ملوث في إحدى المستشفيات

العربي الجديد

رحلة معاناة طفل عراقي أُصيب بالإيدز نتيجة دم ملوث في إحدى المستشفيات

  • منذ 2 شهر
  • العراق في العالم
حجم الخط:

لم يتجاوز ربيعه الخامس، لكنّ قصته عكست الواقع المرير للقطاع الصحي في مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق. الطفل زكريا شامل، أصيب بفيروس نقص المناعة البشرية "الإيدز" بسبب خطأ داخل إحدى المستشفيات.

في الـ15 من مارس/ آذار 2019، تعرّض الطفل زكريا لحادث سقوط على رأسه نُقل إثره إلى مستشفى ابن سينا في الموصل لتلقي العلاج، وبسبب النزيف أوصى الكادر الطبي بإعطائه كمية من الدم، وهو ما حصل فعلا.

لم يتخيل والده شامل أن قنينة الدم التي أعطيت لإنقاذه ستكون سبباً في تهديد حياته وتعرّضه لمرض خطير كالإيدز.

يقول والده وهو من سكان منطقة تل الرمان في الساحل الأيمن للموصل إن "ابنه زكريا بقي في المستشفى عدة أسابيع بعد نقل الدم إليه، حيث تسبب في بادئ الأمر بارتفاع كبير في درجات الحرارة، وبعد ذلك تحسنت حالته وتم إخراجه من المستشفى".

يضيف لـ"العربي الجديد" أن "حالة الطفل الصحية بدأت بالانتكاس وهو في عامه الثاني، فلا يمر شهر إلا والطفل يصاب مرة أو مرتين بمرض معين، تارة التهاب في البلعوم ومرة سعال شديد وتارة أخرى التهاب الأذن الوسطى، وأحيانا الطفح الجلدي، ليبقى على هذه الحال عامين كاملين".

تحليل مختبري العام الماضي أثبت الإصابة، وذلك بعد إجراء فحوصات أوصى بها أحد الأطباء بعدما تدهورت حالة الطفل الصحية

طيلة الفترة الماضية لم يكن والد زكريا ولا الكادر الطبي على دراية بإصابته بمرض الإيدز، لكن تحليلا مختبريا العام الماضي أثبت الإصابة، وذلك بعد إجراء فحوصات أوصى بها أحد الأطباء بعدما تدهورت حالة الطفل الصحية وانتشر الطفح الجلدي في جسمه بشكل مخيف، كما يقول والد الطفل، الذي تسلم نتيجة الفحص المختبري من مستشفى الخنساء الحكومي لتثبت إصابته بالمرض، الأمر الذي عرّض الأب لانهيار بسبب تسلل هذا المرض الخطير إلى نجله الصغير.

بعد ذلك، أثبتت التقارير الطبية تعرض الطفل للإصابة بمرض نقص المناعة بسبب نقل الدم من شخص حامل للفيروس، حيث تجري عملية نقل الدم من المتبرعين إلى مصرف الدم الذي يقوم بدوره بتوزيعه على المستشفيات.

إهمال طبي

يقول والد الطفل إنه "لم يترك باباً حكومياً في نينوى إلا وطرقته لكن دون جدوى"، وذلك في محاولة للحصول على دعم من وزارة الصحة ومحاسبة المُقصّرين المسؤولين عن إصابة ابنه.

اضطر كذلك إلى تقديم شكوى لدى القضاء العراقي، الذي لم ينصفه كما يقول لغاية الآن، فما زال الموضوع قيد التحقيق، مع التوصية بالتعويض المادي لذوي المصاب، دون أن تسير إجراءات التعويض على أرض الواقع لغاية الآن.

ويأمل والد الطفل من القضاء إنصاف صغيره المصاب، من خلال محاسبة المتهمين وتعويضه وتبني وزارة الصحة علاجه، كونها المسؤول المباشر عن تدهور الوضع الصحي له.

إدارة مستشفى ابن سينا في الموصل، أكدت إصابة الطفل بمرض الإيدز جراء نقل الدم من أحد الأشخاص المصابين، وقال مدير مستشفى ابن سينا فائز الحمداني إن "الطفل المصاب دخل إلى قسم الجراحة العصبية وتطلب الأمر نقل قنينة دم، وتم ذلك بطلب رسمي، حيث جرت عملية النقل بعد وصول الدم من المصرف المخصص.

وأضاف الحمداني في حديث خص به "العربي الجديد" أن "الطفل تماثل للشفاء في بادئ الأمر، لكن بعد مرور أشهر فتحت دائرة صحة نينوى تحقيقا في إصابة طفل بمرض الإيدز أثناء تواجده بالمستشفى".

وأشار مدير المستشفى إلى أن وزارة الصحة باشرت بالتحقيقات وبعد متابعة السجلات الخاصة بالمصاب والشخص الذي تبرع بالدم تبين أن الأخير مصاب بمرض الإيدز، مرجّحاً أن المصاب المتبرع قد تلقى الفيروس بسبب إجرائه عملية جراحية لزراعة الشعر في تركيا، حسب قوله.

المصاب المتبرع قد تلقى الفيروس بسبب إجرائه عملية جراحية لزراعة الشعر في تركيا

ولفت الحمداني إلى أن نتائج التحقيق الذي أجرته وزارة الصحة من جهة والسلطات القضائية من جهة أخرى، أثبتت عدم مسؤولية مستشفى ابن سينا عن الحادثة لأنها ليست مسؤولة عن نقل وفحص الدم الذي يقدّم من المتبرعين.

تكتم إعلامي 

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء في العراق، فإن "عدد الإصابات بمرض الإيدز بلغ 204 حالات لعام 2019، ظهر العدد الأكبر من الإصابات بين الذكور وبواقع 172 حالة مقابل 32 حالة للإناث، أما حالات الوفاة بسبب هذا المرض فقد بلغت 9 حالات منها 8 حالات للذكور وحالة واحدة للإناث".

وتُشدّد وزارة الصحة العراقية على أن عدد المصابين المسجل رسمياً في قواعد بيانات الوزارة لا يزال أدنى بكثير من المستوى المحدد عالميا.

والعام الماضي، أعلنت وزارة الصحة في حكومة إقليم كردستان العراق تسجيل 69 إصابة بـ "الإيدز"، ويأتي هذا العدد ارتفاعا من 20 إصابة خلال 2020، و40 إصابة خلال عام 2019، وفق أرقام سلطات الإقليم الصحية.

نينوى والإيدز

تواصل "العربي الجديد"، مع اثنين من كبار المسؤولين في صحة نينوى للتعرف على حجم انتشار مرض الإيدز في المحافظة، لكنهما رفضا الإدلاء بتصريح عن الموضوع بدعوى أن وزارة الصحة أصدرت توجيها شديدا بمنع الكشف عن أرقام المصابين بهذا المرض.

لكن مصدراً موثوقاً به في رئاسة الصحة كشف عن وجود 16 حالة إصابة بالإيدز مثبتة رسميا بسجلات صحة نينوى.

وقال المصدر الذي رفض الكشف عن اسمه، إنّ "سجلات صحة نينوى تحتوي على 16 اسما مصابا بفيروس نقص المناعة، ووزعت تلك الإصابات على بالغين وأطفال"، مبينا أن ثلاثاً من الحالات المسجلة سببها العلاقات الجنسية غير الشرعية، وأغلب الحالات نتيجة عمليات جراحية جرت داخل وخارج البلاد ومنها عملية الفحص بالناظور.

وأشار المصدر إلى أن المركز المختص بعلاج المصابين بالإيدز هو مركز العوز المناعي التابع لصحة نينوى، وأن هذا المركز يقدم علاجات بشكل شهري للمصابين وهو عبارة عن علاج مركب ضد الفيروسات.

إصابات أعلى

نائب رئيس لجنة الصحة في البرلمان العراقي ماجد شنكالي، أكد لـ"العربي الجديد"، أن الإحصائيات المسجلة في دوائر وزارة الصحة عن الإصابات بمرض الإيدز لا تكشف الأعداد الحقيقية وأنها أعلى من الأعداد المسجلة.

وقال شنكالي إن "الإصابات الحقيقية أعلى من الأرقام المسجلة في وزارة الصحة، بسبب تحفظ الكثير من المصابين عن تسجيل أسمائهم في سجلات الدولة الخاصة بالمرضى لحساسية المرض في المجتمع العراقي".

وأضاف المسؤول العراقي أن "حالة الطفل زكريا سببها على الأرجح وجود إهمال وتقصير في إدارة صحة نينوى التي سُجل عليها العديد من الملاحظات في الفترة السابقة والتي انتهت بإقالة مديرها فلاح الطائي"، مبينا أنه من المفترض تشديد إجراءات فحص الدم قبل تسلمه في المصارف الخاصة التابعة لدائرة الصحة.

وكشف النائب عن حراك قريب للجنة الصحة البرلمانية باتجاه وزارة الصحة لتشديد إجراءاتها بخصوص عمل مصارف الدم والرقابة على الفحوصات التي تجريها على المتبرعين، فضلا عن دعم المصابين بهذا المرض ودراسة إمكانية اتخاذ إجراءات من شأنها الحد من انتشار هذه الإصابات والتي تأتي أغلبها من خارج العراق.

وأكد أنه وبالرغم من صعوبة تنفيذها، إلا أنه للحد من دخول هذا الفيروس إلى العراق ينبغي تفعيل الفحوصات المختبرية على الوافدين من خارج القطر كما كان معمولا به قبل العام 2003.

كما أوضح شنكالي أن المرض غير منتشر بشكل واسع في العراق، لكن يخشى ارتفاع الإصابات في السنوات المقبلة بسبب زيادة الزيارات إلى الخارج والعودة دون إجراء أي فحوصات تثبت سلامة المسافر.

تدهور الواقع الصحي

ويرى الكثير من الأهالي أن الحياة في الموصل ثاني أكبر مدن العراق، تتطلب وبشكل هام تجنب المرض بشتى الطرق، لأن الإصابة تعني الوقوع في إحدى صور المشهد المأساوي للواقع المتردي الذي تعيشه المدينة منذ سنوات.

ولم تشفع السنوات الخمس التي أعقبت تحرير الموصل شمالي العراق من سيطرة "داعش" في إعادة البنية التحتية المدمرة للقطاع الصحي إلا بنسب محدودة وفقا للأرقام الصادرة عن دائرة صحة نينوى، فلا تزال أغلب المستشفيات غير مكتملة الإعمار، بسبب التلكؤ في تنفيذ المشاريع من جهة وقلة التخصيصات المالية من جهة أخرى، كما يرى مراقبون.

وتعمل أغلب المستشفيات الحالية في نينوى بمواقع بديلة أغلبها "كرفانية" لحين إنجاز العمل في المواقع الأصيلة للمستشفيات، الأمر الذي ترك أثرا سلبيا على الخدمات الطبية المقدمة للأهالي.

الباحث والكاتب العراقي، عبد الجبار الجبوري اعتبر أن القطاع الصحي في محافظة نينوى بالمجمل يعاني من مشاكل كبيرة، بسبب قلة المستشفيات وعدم وجود الأجهزة الطبية التخصصية فيها وقلة الكوادر الطبية وفقدان العلاجات داخل المؤسسات الطبية الحكومية.

وقال الجبوري في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "نينوى ومركزها الموصل تعيش وضعاً صحياً متردياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث إن أغلب المؤسسات الصحية عاجزة عن تقديم الخدمة للمرضى المراجعين لمختلف الاختصاصات والأقسام".

وأضاف أن "مركز جراحة القلب أحد المراكز المهمة يعاني من عدم وجود الأجهزة التخصصية وقلة الكوادر وعدم وجود العلاجات اللازمة للمصابين بأمراض القلب، وكذا الحال في باقي الأقسام الطبية".

وعزا الجبوري الإخفاقات الصحية في نينوى إلى الإهمال والفساد المستشريين في دائرة الصحة، واللذين أكدهما أخيرا قرار مجلس الوزراء القاضي بإقالة مدير صحة نينوى من منصبه، مبينا أن الشارع الموصلي يشعر باستياء كبير من انعدام أبسط الخدمات الطبية والتي عجزت عن تقديمها المؤسسات الحكومية.

وأشار الجبوري إلى أن العديد من المراكز الصحية والمستشفيات في الأقضية والنواحي تواجه المعاناة نفسها، لا كوادر طبية فيها، موضحا أن هجرة الأطباء من نينوى إلى خارجها ولاسيما إلى إقليم كردستان ساهمت في تراجع الواقع الصحي بشكل واضح وكبير.



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين

>