علي أبو هميلة - الجزيرة مباشر
عشت في إسطنبول ست سنوات اكتملت أول أمس، عايشت الأحداث في تركيا بعين الناصري الوحيد الموجود في المدينة التي تنقسم إلى شعبين حرفيا، ينتمي نصفها إلا نسبة ضئيلة منها إلى الفكر العلماني الذي أسسته الدولة التركية منذ مئة عام بقيادة مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك في عام 1923، هذا الرجل الذي يدين بالوفاء له كل الشعب التركي بعد ثورة التحرير.
النصف الثاني من الشعب التركي يمثل الاتجاه الإسلامي الذي بدأ مع حركة نجم الدين أربكان في بداية التسعينيات، ونمت وكبرت بوصول حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان إلى الحكم مع بداية الألفية الجديدة في عام 2002، وتنامت الحركة الإسلامية طوال أكثر من عشرين عاما، وظلت تتزايد بوصول أردوغان إلى سدة الحكم بعد سنوات قضاها رئيس وزراء، ومنذ 2014 يحكم أردوغان تركيا.
كان وصولي إلى إسطنبول متواكبا مع حدثين مهمين في حياة الشعب التركي، ففي 2019 عام الوصول كانت انتخابات مجالس البلدية في تركيا، وكان قد سبقها في عام 2017 التعديلات الدستورية التي استطاع الحزب الحاكم تمريرها بصعوبة شديدة بنسبة وصلت إلى 51%، وتحوَّل النظام من البرلماني إلى رئاسي، وكان هذا في زيارة أولى لإسطنبول لم تستمر كثيرا.
كان الهم المصري مسيطرا على أجواء عقلي وقلبي، فلم أرصد الحدث بكثير من الاهتمام، لكن انتخابات البلدية جاءت في توقيت كنت قد قررت الاستقرار طويلا في العاصمة السياحية الكبرى للبلاد، وبدأت أتابع عن كثب الأحداث، تلك الانتخابات التي رفع فيها حزب الشعب الجمهوري شعار “الخبز واللبن مجانا لكل الشعب”.
استطاع الحزب أن ينجح في مغازلة طموحات الشعب التركي، وفاز في عدد كبير من الولايات منها ولايات كبرى كانت أهمها إسطنبول وأنقرة وأزمير وأنطاليا، وكانت صدمة كبيرة خسارة رئيس الوزراء علي يلدريم أمام الشاب الصاعد في حزب الشعب أكرم أمام أوغلو الذي تميزت حملته بالحشد الإعلامي الكبير والشعارت الجذابة.
خمس سنوات من عمري قضيتها في الولاية الأولى لأكرم إمام أوغلو، بدأت في أيامي الأولى بالإعجاب الشديد لكونه شابا رافعا شعارت يسارية عن الخبز واللبن المجاني، وانتهت بمفاجأتي أنه يعاد انتخابه مرة أخرى عام 2024، كان تقديري أن إمام أوغلو يجيد صناعة نفسه إعلاميا، ويستخدم الإعلان في تقديم وصناعة إنجازات ليست ملموسة.
تحولت المدينة التي حازت إعجابي وانبهاري إلى مدينة يجري تكسيرها كل يوم، ويعاد ما تم تكسيره بلا سبب مقنع، وتحولت وسائل مواصلاتها المبهرة إلى مترهلة، وصارت الخدمات عبئا كبيرا على أهلها وعبئا أكبر على المقيمين فيها، وتحولت أسعار المنتجات إلى الأضعاف، وصار سعر رغيف الخبز أكثر من عشرة أضعاف سعره، لذا كنت في دهشة من إعادة انتخابه خاصة أن المرشح أمامه كان وزير التنمية الحضارية الذي أدى بشكل باهر عقب زلزال فبراير/شباط 2023 مراد كرووم.
لا أخفي إعجابي بتجربة أردوغان في تركيا بصفته سياسيا مبدعا طوال سنوات حكمه يعمل من أجل شعبه، وكانت المظلة الاجتماعية التي رأيتها أول سنوات إقامتي في إسطنبول واحدة من أهم أسباب هذا الإعجاب، والتعليم والصحة ورعاية كبار السن، تلاميذ المدراس والجامعات التي كانت مجانية حتى الجامعة وفي الجامعة، حتى الأجانب (نحن) كانت مصاريف الجامعة لا تؤثر فينا، ولي مع أبنائي الثلاثة تجربة مثالية في ذلك.
كنت دائما أقول إن أردوغان صنع في تركيا ما حلم به جمال عبد الناصر في مصر أو ما يشبه التجربة الناصرية في مصر، فضلا عن التقدم الصناعي في البلد وخاصة في الصناعات العسكرية، وكنت أعتقد أن كل منزل في تركيا بداخله مصنع صغير.
لم أنظر إليه قَط على أنه يحلم بخلافة إسلامية ولا توسع إقليمي بل نظرت إليه بصفته سياسيا تركيا يعمل لمصالح وطنه فقط، وليس مطلوبا منه أن يحقق لي أحلامي، وكان هذا فيصل حكمي على أردوغان، لم أر فيه ما رأته التيارات الإسلامية وخاصة الإخوان المسلمين في مصر، وما صدَّروه للتيارات والشعب المصري خاصة اليسار المصري والقوميين المصريين وحتى الناصريين رفاقي في مشواري السياسي.
استقبلت تركيا عشرات الآلاف من المصريين كما استقبلت ملايين من السوريين بعد ثورات الربيع العربي، وغيرهم الآلاف من اليمنيين والعراقيين والليبيين، وكنت أجلس في بعض الأوقات في جلسات شبيهة بجلسات الجامعة العربية بما تحويه من تجمُّع لجنسيات عربية، تحملت تركيا الكثير من الأعباء خاصة أنها لم تفرق كدولة بين أبنائها والقادمين إليها (أشهد بذلك).
وكان الوجود العربي في تركيا نقطة هجوم للمعارضة في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي شهدتها البلاد العام الماضي، فقد استغل تحالف الشعب الذي يتزعمه حزب الشعب الجمهوري موضوع اللاجئين والمهاجرين لينسب إليه تدهور حال الليرة التركية، وارتفاع الأسعار في السلع وإيجارات المساكن لكسب أصوات الشعب.
تلك الانتخابات شهدت فوز الرئيس التركي بصعوبة شديدة أمام رئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليشدار وتحالفه، وفاز أردوغان بنسبة 52%. وفي الانتخابات البرلمانية، فاز تحالفه بنسبة 49%، فلم يصل إلى الأغلبية في البرلمان، ويحتاج إلى تحالفات أخرى ليمرر قوانينه.
وجاءت انتخابات البلدية العام الماضي، ليفوز بها حزب الشعب الجمهوري معتمدا على إثارة العنصرية ضد العرب وخاصة السوريين، ويخسر الحزب الحاكم (حزب أردوغان المتهم مصريا بالديكتاتورية) أغلب ولايات تركيا، وتصبح البلديات في معظمها تابعة للمعارضة.
يفوز أكرم إمام أوغلو للمرة الثانية بولاية إسطنبول، ونظرا لتجربة أردوغان حاكما لإسطنبول ثم رئيسا للجمهورية، فقد تطلّع إمام أوغلو إلى رئاسة حزبه ثم رئاسة تركيا! وفي انتخابات الحزب، أشار رئيسه الخاسر في انتخابات الحزب وقبلها انتخابات الرئاسة إلى فساد في الانتخابات الداخلية للحزب، ومن ثَم بدأت شكاوى من داخل الحزب ضد بعضهم بعضا، ولذا جاء اعتقال إمام أوغلو وأكثر من 100 من السياسيين ورجال الأعمال في مخالفات مالية كثيرة، وبدأت النيابة والقضاء في التحقيقات، فالقضية جنائية ولا جانب سياسيا فيها.
كان رد فعل مناصري حزب الشعب الجمهوري طبيعيا من واقع الصدمة وواقع الانقسام الحاد في المجتمع التركي المنقسم نصفين، فجاءت المظاهرات التي شهدتها مدن عدة، وكان أضخمها في إسطنبول ولاية أكرم إمام أوغلو، وتدفق عشرات الآلاف أمام مبني البلدية والميادين الكبرى في المدينة، وفي جامعة إسطنبول التي ألغت اعترافها بالشهادة الجامعية التي حصل عليها إمام أوغلو بسبب انتقاله من جامعة غير معترف بها في تركيا. وقد سبق ذلك اعتقاله والتحقيق معه في المخالفات المالية التي تنكشف يوما بعد آخر حسب صحف تركية متعددة، وكان طبيعيا أن ينتهز الحزب وقادته الحدث كأنه انقلاب على الديمقراطية وتخلص أردوغان من منافسه المحتمل في الانتخابات القادمة 2028، ودعا الحزب ورئيسه إلى مظاهرات احتجاجا على اعتقال إمام أوغلو المرشح المحتمل.
لم يكن هذا غريبا، فهذه هي السياسة، وتلك النقاط لا بد للحزب أن يستغلها، وإن لم يفعل ذلك فلا يصح أن يكون حزبا سياسيا، أما الأغرب والأكثر دهشة فهو رد فعل المصريين من اليساريين تجاه الأحداث.
فقد صوَّر المصريون ما حدث بأنه مماثل لما فعله مبارك مع السياسي أيمن نور بعد انتخابات 2005، وما فعله النظام مع السياسي أحمد طنطاوي العام الماضي في انتخابات الرئاسة. أما المظاهرات فقد صوَّرها المصريون بأنها انقلاب على الديكتاتور أردوغان! وثورة على النظام التركي بقيادته، وازداد الموقف بنشر فيديوهات لمظاهرات في أماكن عديدة أبرزها في الهند على أنها في تركيا، وأخرى تصور ضربا للمتظاهرين على أنه تعامل الشرطة التركية مع المتظاهرين.
هكذا صارت صفحات المصريين عبارة عن تهليل لثورة لم تقم وانقلاب لم يحدث في تركيا، بل يمكن أن نقول إنهم أعلنوا ثورة وانقلابا وباتوا يحلمون به! وكان الأكثر دهشة اتهام من يقول إنه لم يحدث بانتمائه إلى جماعة الإخوان المسلمين، واتهمني البعض بذلك بلا خجل! لمعرفته بانتمائي السياسي، هكذا أصبحت من الإخوان.
الواقع أن المصريين لم يروا مظاهرات تركيا أثناء انتخابات الرئاسة، وأيضا لم يروا رد فعل المعارضة التركية بعدها عندما اعترفوا بالهزيمة، وكل حزب راح يعمل من أجل القادم من منافسات، وكسب الحزب المعارض بعدها انتخابات البلدية.
لم يرصد المصريون رد فعل الأحزاب التركية على انقلاب يوليو/تموز 2016، حين توحدت تركيا كلها ضد الانقلاب العسكري، ويومها أشيع أن الرئيس أردوغان هرب من البلاد، كما أشاع أحد المصريين منذ أيام. ولا غرابة في هذا الفعل المصري، فملء الفضاء الإلكتروني صعب جدا عليهم في ظل حالة ركود تعم البلاد وموت السياسة. يا أصدقائي في مصر، الشعب التركي أكثر نضجا، ويعرف كيف يحافظ على إنجازاته الديمقراطية والتنموية.
أما النصيحة لكم فهي “كل واحد يبص في ورقته”.