د. طالب عبد الجبار الدغيم - خاص ترك برس
شهدت سوريا عبر تاريخها النقدي تحولات عميقة تداخلت فيها التغيرات الاقتصادية والسياسية، فانعكست مباشرة على العُملة لأنها تجسد رمزية سيادية وهوياتية في الدولة. فمنذ العصور القديمة، تداولت المجتمعات السورية عملات تعود للحضارات الفارسية واليونانية والرومانية، ومن ثم العملات الإسلامية، حتى برزت "الليرة السورية" كأساس نقدي محلي في عشرينات القرن العشرين. وقد اقترنت هذه التسمية بسياقات سياسية جديدة أعقبت نهاية الحكم العثماني، حيث كانت الليرة العثمانية الذهبية – المستندة إلى قاعدة معيار الذهب – تمثل آخر نظام نقدي موحد قبل دخول البلاد في مرحلتي العهد الفيصلي، والانتدابي الفرنسي، والأخيرة التي فرضت نظاماً مالياً جديداً مرتبطاً بالفرنك الفرنسي، من خلال ترتيبات نقدية أدارها "بنك سورية" ومن بعده "بنك سورية ولبنان" (سامح جميل: 2024).
ومع حصول سوريا على الاستقلال عام 1946، بدأت الدولة بتشييد بنيتها النقدية الخاصة، واستطاعت في عقود لاحقة الحفاظ على استقرار نسبي في سعر الصرف؛ إذ بلغ سعر صرف الدولار مقابل الليرة حوالي 2.19 ليرة سورية عام 1947، واستمر هذا الاستقرار نسبياً حتى ثمانيات القرن العشرين. ولكن، هذا النسق بدأ بالتصدع تدريجياً نتيجة تقلبات داخلية وخارجية، خاصة في أعقاب الأزمات الاقتصادية والسياسية التي ترافقت مع الانقلابات، وسياسات التأميم، والحروب الإقليمية. وبلغ التدهور ذروته بعد عام 2011، حيث دخلت الليرة السورية مرحلة غير مسبوقة من الانهيار نتيجة الحرب الداخلية، وتراجع الإنتاج، وفقدان الثقة، لتصل في عام 2025 إلى مستويات قياسية غير مستقرة (حسناوي: 2025: الفقرة 1).
ومن خلال هذه الدراسة سنحاول تقديم قراءة تاريخية لمسار العملة السورية بوصفها أداة نقدية ووثيقة سياسية تحمل دلالات أبعد من وظيفتها المالية. وذلك من خلال استعراض مراحل النشأة والتطور والانحدار، حيث تركز الدراسة على العلاقة الجدلية بين واقع النقد والسلطة، وعلى الدور الذي لعبته الليرة في التعبير عن التحولات الكبرى في بنية الدولة السورية منذ العهد العثماني، مروراً بالانتداب والاستقلال، وصولًا إلى مراحل الانكماش والانهيار البنيوي بعد 2011، وحتى الوقت الحاضر. كما تتناول الدراسة الأبعاد الرمزية للعملة، من حيث تمثيلها للهوية الوطنية، وموقعها ضمن سردية التعافي أو التدهور، وذلك في ضوء المعطيات التاريخية والاقتصادية والسياسية التي أعادت تشكيل وظيفة الليرة، ومكانتها في العقد الاجتماعي والاقتصادي السوري.
أصل تسمية الليرة والجذور التاريخية للنقد السوري
ترجع كلمة "ليرة" إلى أصل لاتيني هو "ليبرا"(Libra) التي تعني الميزان أو رطل الوزن، ومنها اشتُق اسم وحدة النقد الرومانية التي عُرفت بالـ"ليرة الطروادية"، وكانت قطعة نقدية من الفضة الخالصة (حسناوي: 2025: فقرة 3). انتقل هذا المسمّى إلى اللغات الشرق أوسطية في القرن التاسع عشر عندما اعتمدت كل من الدولة العثمانية ومصر اسم "الليرة" كوحدة نقد.
وأصبحت الليرة العثمانية الذهبية آنذاك تعادل مئة قرش وتشكل الوحدة الأساسية للنقد في الولايات العثمانية (سامح جميل: 2024: فقرة 2). ومع تبنّي العثمانيين والمصريين لهذا الاسم، انتشر استخدام لفظ "ليرة" للدلالة على العملة في عدد من البلدان، منها سوريا ولبنان وتركيا وحتى إيطاليا ومالطا (حسناوي: 2025: فقرة 3). وهكذا فإن الأصل اللغوي للعملة السورية الحديثة يرتبط بإرث نقدي أوروبي - متوسطي قديم، بينما تطور مفهومها المحلي تبلور خلال مرحلة التحول من الحكم العثماني إلى عهد الانتداب.
وعلى الصعيد التاريخي، تمتد جذور العملة في سوريا إلى الحضارات القديمة. فمنذ القرن السابع قبل الميلاد ظهرت الملامح المبكرة للنقود في مدن الساحل الشامي لدى الفينيقيين والآراميين، واستخدمت تلك الشعوب الشيكل الفينيقي كوحدة تعامل، ومن ثم سُكّت سبائك الفضة المتأثرة بالابتكارات النقدية القادمة من مملكة ليديا في الأناضول ومن الإمبراطورية الفارسية.
حملت النقود الفينيقية رموزاً للملوك وآلهة الخصوبة والقوة كالنسر والأسد، بما يعكس صلة النقد بالسلطة السياسية والهوية الثقافية (المقداد، 2015). وفي الحقبة الهلنستية (الإغريقية) بعد دخول الإسكندر المقدوني، شهدت المدن السورية -خاصة السلوقية- تطوراً نقدياً بارزاً؛ فصدرت عملات فضية وبرونزية تحمل صور الآلهة والإمبراطور أو رموز عسكرية وبحرية، مع إضافة تواريخ أو أحرف ترمز إلى مراحل الحكم في كل مدينة أو بلد. ويدلّ هذا التنوع على درجة من الاستقلالية الاقتصادية للمدن السورية في ظل الحكم السلوقي، حيث استخدمت كل مدينة نقودها الخاصة التي تلبي احتياجاتها التجارية والإدارية.
ومع انتقال سوريا تحت الحكم الروماني في القرن الأول قبل الميلاد، حصل تحول نحو مركزية أشمل في النظام النقدي. وقد بدأت العملات تُسك وفق معايير الإمبراطورية الرومانية، وتحمل صور الأباطرة الرومان والشعارات الإمبراطورية، وهو ما كرّس دمج الاقتصاد المحلي في الشبكة النقدية الرومانية الأوسع. وبالرغم من ذلك، احتفظت بعض المسكوكات الرومانية المحلية بخصوصية في رموزها أو تواريخ سكّها تعكس هوية المدن السورية ضمن إطار الحكم الروماني. وفي العصور اللاحقة (القرون 3-6م)، استمر تداول العملات البيزنطية والفارسية الساسانية في سوريا؛ فانتشرت الدنانير الذهبية والدراهم الفضية وقطع النحاس (فلوس) الحاملة لصور الأباطرة أو الأكاسرة ورموزهم الدينية. وكانت هذه النقود غالبًا ما تُظهر مكان وتاريخ سكّها بدقة، وقد تراجع ذكر أسماء المدن السورية عليها تدريجيًا مما عكس إحكام السيطرة المركزية الإمبراطورية قبل الفتح الإسلامي.
ومع دخول سوريا عصر الإسلام في القرن السابع الميلادي، بقي قسم كبير من النقود المتداولة تلك التي ورثها المسلمون عن الفرس الساسانيين والروم البيزنطيين، وخاصة الدراهم الساسانية الفضية، وذلك في السنوات الأولى عقب الفتح. ولكن سرعان ما بدأ تعريب النقود وإضفاء الطابع الإسلامي عليها. في زمن الخليفة معاوية بن أبي سفيان (661م) ظهرت عملات مختلطة الطراز تحمل رموزًا ساسانية كصورة كسرى إلى جانب عبارات إسلامية مثل "بسم الله"، في مرحلة انتقالية نحو سك عملة إسلامية خالصة.
وفي عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان (حوالي 697م)، تم إصدار الدنانير الذهبية والدراهم الفضية الإسلامية الخالصة لأول مرة، مكتوبة بالكامل بالعربية ومزينة بعبارات التوحيد، مع ذكر أسماء المدن (مثل دمشق) وتواريخ السك الهجرية على الوجه (تسنيم حسناوي: 2025: فقرة 7). شكلت إصلاحات عبد الملك هذه تأسيسًا لعملة إسلامية مستقلة عن النفوذ البيزنطي والفارسي، واستمر الخلفاء الأمويون والعباسيون ومن تلاهم من الدول الإسلامية بإصدار عملاتهم الخاصة في سوريا، كالدنانير العباسية التي حملت أسماء الخلفاء والولاة، وكذلك النقود التي سكّتها السلالات المحلية (كالطولونيين والحمدانيين والإخشيديين والفاطميين) حيث أضافت هذه السلالات أسماء حكامها وشعاراتها على النقود مع الحفاظ على وزن ومعيار الدنانير والدراهم بشكل دقيقدقيق. وتجدر الإشارة إلى أن دقة وزن المعدن النفيس في تلك العملات كانت ضرورية للحفاظ على الثقة بها كوسيط للتبادل، مما عزز دور العملة كأداة للسلطة والاقتصاد معاً.
وفي العصور اللاحقة، شهدت سوريا تنوعاً نقدياً معقداً في ظل الأيوبيين ثم المماليك. وقد أصدر الأيوبيون عملات ذهبية وفضية حملت أسماء سلاطينهم وكُناهم، بينما أدخل المماليك تصميمات جديدة وأكثر تطورًا على نقودهم، شملت كتابات دائرية هندسية تذكر أسماء السلطان الحاكم والخليفة العباسي الاسمي في القاهرة، فضلاً عن تحسين نقاوة الفضة وجودة سك النحاس. واستخدمت العملة في تلك الفترة كأداة مركزية لضبط الاقتصاد وجباية الضرائب وتنظيم التجارة الداخلية والخارجية. وخلال عهد المماليك البرجية (القرن 15م) أجرى سلاطين مثل الناصر فرج والأشرف قانصوه الغوري إصلاحات نقدية لمحاولة تثبيت قيمة النقد وسط اضطرابات اقتصادية؛ فقاموا بسك عملات جديدة وتعديل الأوزان والنقاوة، كما استحدثوا نقوشاً وعبارات تبجيل للسلطان تعكس البروتوكول والألقاب الرسمية. وشكلت هذه الإصلاحات المملوكية آخر محطات التطور النقدي المحلي قبل دخول المنطقة تحت الحكم العثماني مطلع القرن 16م، حيث توحّدت أنظمة النقد مع الدولة العثمانية التي سيطرت على بلاد الشام عام 1516م.
الليرة في العهد العثماني: من النقد المعدني إلى الورقي
مع انتقال سوريا إلى سيطرة الدولة العثمانية في القرن السادس عشر الميلادي، أصبحت الليرة العثمانية هي العملة الرسمية والأساسية المتداولة في البلاد. وخلال العهد العثماني، اعتمد نظام النقد على قاعدة المعدنين (الذهب والفضة)، ومن ثم اعتُمد المعيار الذهبي بشكل كامل في إصلاح نقدي عام 1888 جعل الليرة الذهبية معياراً أساسيا. وتزن الليرة العثمانية الذهبية حوالي 7.216 غراماً من الذهب عيار 22 قيراط (بنقاء 91.65%)، وكانت تساوي حوالي أربعة دولارات ذهبية و40 سنتًا في ذلك العصر (جميل: 2024: فقرة 2). وقد قُسمت الليرة إلى 100 قرش ذهبي، فيما استُخدمت إلى جانبها نقود مساعدة من معادن أقل قيمة (فضية ونحاسية) للمعاملات الصغيرة. وأما المدفوعات الكبيرة والتجارة الخارجية فغالبًا ما نُفِّذت باستخدام الليرات الذهبية العثمانية، وأحيانًا الجنيهات الذهبية الإنجليزية والفرنسية التي سُمح بتداولها بحكم العلاقات التجارية الدولية (جميل: 2024: فقرة 2).
لقد دخل النشاط المصرفي إلى الأراضي السورية لأول مرة في العهد العثماني. ففي عام 1856 م، تأسس البنك الإمبراطوري العثماني(Ottoman Imperial Bank) ، والذي مُنح امتياز إصدار النقد الورقي العثماني. وكان هذا المصرف مؤسسة ذات إدارة مشتركة فرنسية - بريطانية، وقد سيطر على العمليات النقدية والمصرفية في الولايات العثمانية ومنها سوريا.
وافتُتح للبنك العثماني فرع في دمشق عام 1895 ليكون مركزاً للنشاط المالي في المنطقة، وقام بتمويل مشاريع الدولة وإدارة الأموال العامة، مما جعله مؤسسة محورية في الحياة الاقتصادية لمدينة دمشق في أواخر القرن التاسع عشر (حسناوي: 2025: فقرة 9). ورغم ذلك، بقي التعامل بالنقد الورقي التركي محدوداً جداً ومحصوراً في نطاقات ضيقة، فقد فضل غالبية السكان الذهب والفضة لثقتهم بها، وللاعتياد التاريخي على النقود المعدنية (سامح جميل: 2024: فقرة 2). وكانت الأوراق النقدية العثمانية الصادرة عن البنك الإمبراطوري مغطاة بالذهب بنسبة تقارب 200% لتطمين حامليها بقابليتها للتحويل إلى ذهب، إلا أن هذه التغطية العالية لم تشجع على انتشار استخدامها شعبياً (جميل: 2024: فقرة 2). وبذلك ظلّت الثقافة النقدية في سوريا العثمانية تقليدية قائمة على المعدنين؛ فالنقد الورقي كان موجوداً قانوناً لكنه نادر التداول واقعاً.
ومع اشتعال الحرب العالمية الأولى (1914-1918) ، وانضمام الدولة العثمانية إلى المعسكر الألماني، اضطرت السلطات في الباب العالي (إسطنبول) إلى إجراءات نقدية استثنائية. وفي عام 1915 ألغت الحكومة العثمانية قابلية تحويل العملة إلى ذهب، وأوقفت استرداد الأوراق الورقية بالذهب بسبب الضائقة المالية، بل وفرضت تداول تلك الأوراق الإلزامية دون غطاء ذهبي.
وأصدرت خلال الحرب سبعة إصدارات متتالية من العملة الورقية بين أعوام 1915 و1918، ولم يكن منها مغطى بالذهب سوى الإصدار الأول، بينما اعتمدت الإصدارات اللاحقة على سندات خزينة من حكومتي ألمانيا والنمسا (حليفتَي الدولة العثمانية آنذاك) بدلًا من الغطاء الذهبي (جميل: 2024: فقرة 3). وقد أدى هذا التوسع في طباعة النقد غير المغطى إلى انهيار القيمة الشرائية للعملة الورقية التركية، إذ فقدت نحو 80% من قيمتها خلال الحرب.
وعزف الناس عن قبول تلك الأوراق وسعوا للاحتفاظ بالعملات الذهبية والفضية التي ارتفعت قيمتها، خاصة وأن الحكومة كانت مضطرة لسداد أثمان الإمدادات والمؤن بالذهب في بعض الولايات، مما زاد كتلة الذهب المتداول في أيدي المواطنين (جميل: 2024: فقرة 4). في المحصلة، شهدت السنوات الأخيرة من الحكم العثماني في سوريا انهيارًا نقديًا حادًا مع تهاوي الثقة بالأوراق البنكية، وبرز الذهب كملاذ للقيمة ومدخر أساسي لمعظم السوريين.
أفضت هزيمة الدولة العثمانية ودخول قوات الحلفاء إلى سوريا أواخر عام 1918 إلى تغييرات سريعة في المشهد النقدي. فقد أبطل الحكم العسكري الفرنسي-البريطاني المؤقت التعامل بالأوراق النقدية التركية تمامًا، وجرى فرض تداول الجنيه المصري ذو الغطاء الذهبي عملةً رئيسية بدلًا منها. وجاء هذا الإجراء نتيجة كون مصر آنذاك تحت سيطرة البريطانيين، وعملتهم (الجنيه المصري) مرتبطة بالجنيه الإسترليني المستقر نسبيًا. أصبح الجنيه المصري وسيلة الدفع الإلزامية خاصة في مدن الساحل السوري حيث تمركزت سلطات الاحتلال، مع السماح باستمرار تداول العملات الذهبية (العثمانية والأوروبية) والفضية المختلفة كوسيط مكمل. وأما في المناطق الداخلية من سوريا، فقد ظل التعامل سائدًا بالعملات الذهبية العثمانية التي احتفظت بقيمتها، نظرًا لعزوف السكان عن الأوراق وضآلة الوجود الإداري المباشر للقوات البريطانية-الفرنسية في تلك المناطق (جميل: 2024: فقرة 5). وهكذا دخلت سوريا مرحلة انتقالية وجيزة بعد الحرب العالمية الأولى استخدمت فيها عملة أجنبية (المصرية) على الساحل ونقود ذهبية عثمانية في الداخل، تمهيدًا للتأسيس الفعلي لعملة وطنية جديدة في ظل الانتداب الفرنسي.
الانتداب الفرنسي وتأسيس الليرة السورية الحديث (1920-1946)
أُعلنت رسمياً سلطة الانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان بعد الحرب العالمية الأولى بموجب قرارات مؤتمر سان ريمو 1920م، وبدأ تنظيم الإدارة المدنية والنقدية على يد الفرنسيين. وقد أصدر المفوض السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو قراراً في 31 آذار/مارس 1920 يقضي بإلغاء التعامل بالجنيه المصري في جميع المناطق الخاضعة للانتداب في سوريا ولبنان، واستبداله بعملات ورقية جديدة سُمِّيت الليرة السورية – اللبنانية تكون مغطاة بالفرنك الفرنسي. ومُنح بنك سوريا ((Banque de Syrie، وهو مصرف أسسته السلطات الفرنسية – امتياز إصدار هذه العملة الجديدة، وبدأ البنك فعلياً بطباعة أوراق النقد السوري ابتداءً من أيار/مايو 1920 (جميل: 2024: فقرة 6). وقد تم تحديد سعر تعادل الليرة السورية الجديدة عند 20 فرنكاً فرنسياً لكل ليرة واحدة، وجُعلت قابلة للتحويل إلى ذهب أو إلى شيكات على باريس بالقيمة نفسها، وقُسمت الليرة إلى 100 قرش. وبذلك ربطت فرنسا قيمة الليرة السورية بشكل مباشر بالاقتصاد الفرنسي وعُملته، لضمان هيمنة نقدية وفرنسيّة على اقتصاد سوريا ولبنان.
ومع أن قرار إدخال الليرة السورية حيز التنفيذ شمل مناطق الساحل السوري ولبنان فوراً عام 1920م، فإنه لم يطبق في البداية بالمناطق الداخلية التي كانت خاضعة لسلطة المملكة العربية السورية بقيادة الملك فيصل بن الحسين. فمنذ إعلان فيصل ملكاً على سوريا في آذار/ مارس 1920 سعت الحكومة العربية المؤقتة في دمشق لترسيخ سيادتها الاقتصادية عبر إصدار عملة مستقلة خاصة بها. وكما أصدرت الحكومة الفيصلية في 12 نيسان/أبريل 1920 قانوناً نقدياً جديداً اعتمد قاعدة المعدنين (الذهب والفضة) أساسًا للنظام النقدي، ونصّ على إيجاد عملة وطنية تحمل اسم الدينار السوري الذهبي (على وزن الدينار الإسلامي التاريخي حوالي 6.45 غرام ذهب عيار 90%)، وتقسم إلى 100 قرش.
وكما تقرر سكّ عملة فضية رديفة باسم الريال العربي وزن 25 غراماً من فضة عيار 80% بحيث يعادل 25 قرشاً (أي أربعة ريالات = دينار واحد) (جميل: 2024: فقرة 7). وقد أبقت حكومة فيصل على قوة الإبراء القانونية للجنيه المصري الذي ورثته من إدارة الحلفاء، لضمان استمرار سيولة المعاملات ريثما تكتمل خطتها النقدية. لكن هذه المحاولة الطموحة لخلق عملة وطنية مستقلة لم يُكتب لها النجاح؛ إذ لم يمضِ سوى بضعة أشهر حتى انهارت المملكة العربية تحت ضغط الإنذار الفرنسي ومعركة ميسلون في 24 تموز/يوليو 1920، التي انتهت باحتلال الفرنسيين لدمشق. وعلى الأثر، سارع المفوض السامي غورو إلى إصدار قرار في 9 آب/أغسطس 1920 يوسّع نطاق تطبيق النظام النقدي الجديد (الليرة السورية المرتبطة بالفرنك) ليشمل كافة الأراضي السورية الداخلية. وبذلك قضى الفرنسيون على أي مشروع عملة وطنية مستقلة في مهدها، ووحّدوا التعامل النقدي في سوريا ولبنان تحت سلطتهم منذ أواخر عام 1920م.
ولقد أصبح بنك سوريا (الذي تحول لاحقاً إلى بنك سوريا ولبنان) الجهة الوحيدة المخوّلة بإصدار الأوراق النقدية في سوريا ولبنان خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن الماضي. وتكوَّن غطاء الليرة السورية - اللبنانية بشكل رئيس من ودائع بالفرنك الفرنسي وكمية محدودة من الذهب وسندات الخزينة، وفق النسب التي حددتها السلطات الانتدابية. وقد حرصت فرنسا عبر هذا النظام على تحقيق مكاسب نقدية مهمة؛ من جهة أدى سحب الجنيهات المصرية من التداول إلى تمكين الفرنسيين من تمويل نفقاتهم العسكرية في سوريا بالعملة السورية نفسها عوضاً عن إنفاق عملات صعبة كالاسترليني أو الذهب، مما حافظ على احتياطيات فرنسا من الذهب والعملات الصعبة (جميل، 2024; Safieddine, 2019). ومن جهة أخرى وفّر سحب الجنيه المصري كميات كبيرة منه إلى الخزينة الفرنسية، إذ استبدله السوريون بالليرة الجديدة بمعدل1 جنيه مصري = 325 قرش سوري (أي 3.25 ليرة)، وبالتالي أضيفت إلى موجودات فرنسا من النقد الأجنبي كتلة من الجنيهات المصرية ساعدتها في سداد التزاماتها مع منطقة الإسترليني. وهكذا أحكمت فرنسا سيطرتها المالية، وأصبحت الليرة السورية أداة لتمويل تواجدها العسكري وضمان مصالحها الاقتصادية خلال فترة الانتداب. (Safieddine,2019)
مع ترسخ الأمر الواقع النقدي الجديد، سعت السلطات الفرنسية إلى إضفاء صبغة قانونية أكثر ديمومة على نظام النقد السوري - اللبناني. فبما أن نظام 1920 قام على قرارات عسكرية للمفوض السامي، بدأت مفاوضات بين إدارة الانتداب وحكومتي سوريا ولبنان المحليتين وبين بنك سوريا لتوقيع اتفاقية نقدية رسمية. وبعد ذلك، توصلت الأطراف في 23 كانون الثاني/يناير1924 م إلى اتفاقية نقدية اعترفت فيها الحكومتان السورية واللبنانية بالليرة السورية – اللبنانية كوحدة نقد رسمية، ومنحتا بنك سوريا امتياز إصدار النقد لمدة 15 عاماً اعتباراً من 1 نيسان/أبريل 1924. وكما تضمن الاتفاق تغيير اسم المصرف إلى بنك سوريا ولبنان الكبير بعد إنشاء دولة لبنان الكبير (1920)، وإعادة تنظيم تغطية الإصدار النقدي. وقد نصّت الاتفاقية على أن يحافظ البنك على غطاء من الموجودات بالعملة الفرنسية (الفرنك) والذهب والأوراق التجارية لضمان استقرار قيمة الليرة، مع تحديد حد أقصى للتداول النقدي قدره 25 مليون ليرة سورية - لبنانية. وقضت أيضاً باقتسام أرباح الإصدار بين البنك والدولتين المنتدبتين. وجوبهت اتفاقية 1924 بانتقادات شديدة من الوطنيين السوريين في حينه، إذ رأوا فيها تكريساً لهيمنة مصرف أجنبي على سيادة بلدهم النقدية، إلا أن الانتداب فرضها كأمر واقع (جميل: 2024: فقرة 9). وقد أصبحت هذه الاتفاقية الإطار الناظم للنقد السوري طوال حقبة ما بين الحربين العالميتين.
مع اقتراب انتهاء مدة امتياز بنك سوريا ولبنان عام 1939م، انطلقت جولة جديدة من المفاوضات عام 1937-1938م، لتجديد اتفاقية الإصدار. وحينذاك أبرمت فرنسا اتفاقاً منفرداً مع حكومة لبنان في أيار/مايو 1937 مدد الامتياز لنحو 25 سنة إضافية حتى 1964م، بينما تأخر التوصل إلى اتفاق مع الجانب السوري بسبب توتر العلاقات بين الوطنيين السوريين والسلطات الفرنسية في أواخر الثلاثينيات. وأخيراً وُقِّعت اتفاقية نقدية جديدة في 25 شباط/فبراير 1938 بين فرنسا وسلطة الحكومة السورية (التي كانت خاضعة لسلطة الانتداب)، لكنها لم تُعرض على المجلس النيابي للتصديق بسبب تعطيل البرلمان والحياة الدستورية بأمر المفوض السامي في منتصف 1938م. ورغم ذلك، أقرّت سلطات الانتداب الاتفاقية عبر مراسيم إدارية ومددت بموجبها امتياز بنك سوريا ولبنان حتى عام 1964 (سامح جميل: 2024: فقرة 10). وقد تضمّنت اتفاقية 1938 بعض التعديلات المهمة مقارنة باتفاقية 1924، أبرزها فصل الليرة السورية عن الليرة اللبنانية اسميًا بحيث يُصدر البنك أوراقاً نقدية مميزة لكل بلد رغم بقاء التكافؤ بينهما، ورفع نسبة الغطاء الذهبي الإلزامي بشكل تصاعدي من 10% إلى 30% من مجموع النقد المصدر، وإلغاء الحد الأعلى للتداول الذي كان محدداً سابقاً بـ25 مليون ليرة، بالإضافة إلى إخضاع البنك للضرائب المحلية بعد أن كان معفىً منها، وضمان اقتسام أرباح الإصدار بين المصرف والدولتين. ولقد مهدت هذه الاتفاقية الثانية الطريق نحو استقلال نقدي أكبر، إذ قللت اعتماد التغطية على الفرنك الفرنسي وزادت المكون الذهبي، مما أتاح هوامش أوسع للحكومة السورية مستقبلًا.
ويُذكر أنه خلال الحرب العالمية الثانية (1939-1945) توقفت إمكانية تنفيذ بعض بنود اتفاقية 1938م، بسبب وقوع فرنسا نفسها تحت الاحتلال الألماني (حكومة فيشي)، ومن ثم خروج لبنان وسوريا عن سيطرتها المباشرة عام 1941م مع دخول قوات الحلفاء. وقد نقل الفرنسيون المركز الرئيسي لبنك سوريا ولبنان من باريس إلى بيروت خلال الحرب، وعدّل المفوض السامي بعض شروط التغطية النقدية ليسمح للبنك بطباعة مزيد من الليرات دون غطاء كافٍ بهدف تمويل جيوش الحلفاء بالمنطقة. وهكذا تراجعت قيمة الفرنك الفرنسي نفسه بشكل كبير أثناء الحرب، فانفصلت عمليًا الليرة السورية عن قاعدة 20 فرنك لكل ليرة التي كانت معتمدة قبل الحرب.
وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وجلاء القوات الفرنسية والبريطانية عن سوريا عام 1946، وجدت الدولة السورية نفسها أمام ضرورة تأسيس نظام نقدي ومالي مستقل تماماً. ولا سيما وقد ورثت سوريا عن عهد الانتداب اقتصاداً مرتبطاً بالفرنك والمؤسسات المصرفية الفرنسية، إلا أن انهيار فرنسا في الحرب وتحرر سوريا سياسياً فرض واقعاً جديداً. وفي عام1944 وأثناء الحرب، وقّعت الحكومة السورية مع فرنسا اتفاقاً يربط الليرة مؤقتاً بالجنيه الإسترليني (بهدف الاستقرار عبر كتلة الإسترليني) مع تحديد سعر صرف ثابت بين الليرة والفرنك الفرنسي. ولكن فرنسا نقضت الاتفاق بعد تحريرها (1945)، مما دفع سوريا للإسراع في تحقيق الاستقلال النقدي الكامل.
ولقد قامت سوريا في عام 1947 م بربط الليرة السورية رسمياً بالدولار الأميركي بدل الفرنك، بمعدل1 دولار = 2.19 ليرة، وانضمت إلى نظام بريتون وودز العالمي الذي ثبت أسعار الصرف بين العملات العالمية الرئيسية. وكما بدأ تدريجياً فصل النقد السوري عن النقد اللبناني الذي بقي لفترة يستخدم بالتوازي نتيجة الروابط الاقتصادية، إلى أن انتهى التداول المشترك فعلياً بعد الاتفاق على الانفصال الجمركي والنقدي عام 1950 (حسناوي: 2025: فقرة 11). وفي 8 شباط/ فبراير 1949 اعترفت فرنسا رسمياً باستقلال الليرة السورية عن الفرنك الفرنسي، لتنتهي بذلك آخر حلقة تبعية نقدية مباشرة للاستعمار (حسناوي: 2025: فقرة 11).
وضمن خطوات بناء الدولة الحديثة، صدر المرسوم التشريعي رقم 87 لعام 1953 الذي وضع الأسس القانونية للنظام النقدي السوري المستقل. وحُددت فيه وحدة الليرة السورية ومعايير إصدارها، ونُص على إنشاء مؤسسة إصدار النقد السوري لتتولى حصريًا مهمة طباعة العملة وتأمين غطائها. وفي أغسطس 1956 تأسس مصرف سوريا المركزي بموجب القانون رقم 87 لعام 1953م، وبدأ عمله فعلياً، فتسلّم مهام إصدار الليرة وإدارة السياسة النقدية وسعر الصرف واحتياطيات البلاد من الذهب والعملات. وبهذا أنهت سوريا امتياز بنك سوريا ولبنان (المصرف الأجنبي) قبل موعده الأصلي عام 1964، واستعادت سيادتها الكاملة على نقدها الوطني. وتجدر الإشارة إلى أن المصرف الإمبراطوري العثماني ومن بعده بنك سوريا ولبنان الكبير كانا قد بسطا هيمنة مصرفية على الشأن النقدي السوري لمائة عام (1856-1956)، وتأخر نشوء مؤسسة نقدية وطنية مستقلة حتى ذلك الحين (الكفري: 2023: فقرة 1).
وقد اعتمد مصرف سوريا المركزي سعر صرف رسمي ثابت مقابل الدولار بقيمة3.65 ليرات لكل 1 دولار عند تأسيسه عام 1956م، وظل هذا السعر المرجعي لفترة كمؤشر على قوة الليرة النسبية آنذاك (حسناوي: 2025: فقرة 12). وبهذا، دخلت سوريا عهد الاستقلال النقدي الكامل مع أواخر الخمسينيات، مدعومة باحتياطيات من الذهب والعملات التزمت الحكومة بتأمينها لضمان قوة الليرة السورية.
فترة الوحدة مع مصر (الجمهورية العربية المتحدة 1958–1961)
في شباط/ فبراير 1958، أعلنت سوريا ومصر اتحادهما في دولة واحدة سُمّيت الجمهورية العربية المتحدة (ج.ع.م) بقيادة جمال عبد الناصر. ورغم توحيد الكثير من السياسات، لم يتم إصدار عملة موحدة بشكل كامل للاتحاد. حافظ كلٌ من الجنيه المصري والليرة السورية على وجودهما، وإن تم تداول مصطلح "الليرة السورية – إقليم سوريا" تمييزًا لها. اتُخذت بعض الخطوات الشكلية للدمج النقدي: فظهرت إصدارات نقدية سورية خلال 1958–1961 تحمل شعار نسْر صلاح الدين (شعار الجمهورية المتحدة) وإشارة إلى الجمهورية العربية المتحدة، كما استُبدلت تسمية مصرف سورية المركزي مؤقتًا بـ"المصرف المركزي للجمهورية العربية المتحدة – الإقليم السوري. ومع ذلك، استمر التداول العملي بالليرة السورية داخل الإقليم السوري وبالجنيه في الإقليم المصري، مع ثبات معدل التحويل الرسمي 1 ليرة سورية = 1 جنيه مصري تقريبًا بفضل التزام كلا العملتين بالغطاء الذهبي والمعايير المشتركة (الدولار كان حوالي 3.5 ل.س أو 0.43 ج.م آنذاك).
عانت سوريا خلال الوحدة من سياسات مالية مركزية اتخذت في القاهرة، من بينها قرارات بتجميد بعض الأرصدة السورية أو تحويلها إلى مصر لدعم الجنيه. وقد أدى ذلك إلى توترات؛ فيذكر أن المحافظ عزة الطرابلسي، والذي استقال مطلع 1961م، احتجاجاً على عدم إفراج مصر عن أصول سورية مجمّدة لديها. وكما فُرضت قيود على القطع الأجنبي لكبح هروب رؤوس الأموال خلال سنوات الوحدة. وعلى الرغم من بعض المكاسب الاقتصادية للوحدة، تراجعت الصناعة السورية بسبب نقل بعض المصانع والمقدرات إلى مصر ضمن سياسات التأميم الموحدة. وأسهمت هذه العوامل في حالة من عدم الرضا الاقتصادي في سوريا.
انتهت تجربة الوحدة بانفصال سوريا في أيلول/سبتمبر 1961 إثر انقلاب عسكري، واستعادت البلاد اسم الجمهورية العربية السورية وعملتها الخاصة. فور الانفصال، فُك الربط الرسمي بين الليرة والجنيه المصري، وعادت الليرة السورية لتُدار بشكل مستقل من قبل مصرف سوريا المركزي المعاد تشكيله. ورغم أن سعر الصرف الرسمي بقي 2.19 ل.س لكل دولار حتى 1961، سرعان ما بدأت الليرة تخضع لتقلبات في أوائل الستينيات مع انتهاج سياسات نقدية محلية جديدة.و بحلول 1962 تم تعديل السعر الرسمي إلى حوالي 3.9 ل.س لكل دولار أمريكي، مما عنى خفضاً فعلياً لقيمة الليرة بنسبة 78% مقارنة بسعر ما قبل الوحدة. وقد كان هذا التخفيض نتيجة واقعية للتغيرات الاقتصادية التي حصلت خلال الوحدة وبعدها.
التطورات النقدية في عهد البعث والأسد الأب (1963 – 2000م)
استولى حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في مارس 1963، ليبدأ عهد من التحول الاقتصادي نحو الاشتراكية الموجّهة. وخلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، سيطرت الدولة على القطاعات الإنتاجية والمصرفية، وتم تثبيت سعر الصرف الرسمي عند مستوى منخفض نسبياً. وفي الفترة بين 1963 وأواخر السبعينيات من القرن الماضي، حافظت الليرة السورية على معدل رسمي يقارب 3.9 ل.س للدولار الأمريكي، وذلك ضمن نظام المدفوعات المرتبط بموجب اتفاقيات صندوق النقد الدولي وبفعل عائدات النفط والمساعدات السوفييتية التي ساعدت في الاستقرار. وقد تخلّت سوريا عن معيار الذهب رسميًا مع انهيار نظام بريتون وودز عام 1971م، إلا أنها استمرت في إدارة سعر الصرف بشكل صارم عبر المصرف المركزي. وخلال معظم عهد حافظ الأسد (1970 – 2000م)، اعتمدت البلاد سعر صرف رسمي ثابت أو شبه ثابت بينما نشأ سوق موازٍ (سوداء) للعملة يعبّر عن القيمة الحقيقية المتراجعة لليرة.
وخلال السبعينيات من القرن العشرين، ورغم ازدهار عائدات النفط العربية بعد عام 1973، لم تحصل سوريا على موارد نفطية كبيرة مقارنة بجيرانها، مما جعل اقتصادها أكثر هشاشة. غير أنها استفادت من المعونات العربية بعد حرب 1973م، فحافظت الليرة على استقرار نسبي خلال ذلك العقد. وقد ظهر أول سعر صرف موازٍ في أوائل الثمانينيات من القرن العشرين، نتيجة تفاقم العجز التجاري وانخفاض المساعدات، حيث بدأت السوق السوداء تعرض الدولار بأسعار أعلى بكثير من السعر الرسمي (الذي ظل 3.95 ل.س حتى 1985). ولقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية في منتصف الثمانينيات (1986–1988) عندما انخفضت موارد سوريا من النقد الأجنبي بسبب تراجع الدعم الخارجي وهبوط أسعار النفط، فاضطرت الحكومة إلى تخفيض قيمة الليرة رسمياً عدة مرات. انخفضت القيمة الرسمية من 3.9 ل.س للدولار قبل 1986 إلى 7.25 ل.س عام 1986 ثم 11.2 ل.س عام 1988م، أيّ تراجعت الليرة رسمياً بأكثر من 65% خلال عامين. ومع ذلك، ظل السعر الرسمي أقل بكثير من سعر السوق؛ حيث قُدّر أن الدولار في السوق الموازية تجاوز 20 ليرة خلال 1988، ما يعكس تضخمًا وانخفاضًا حادًا في القدرة الشرائية. وكما شهدت تلك الفترة انفلاتاً نقدياً وتعدد أسعار الصرف؛ سعر رسمي للواردات الأساسية، وسعر تفضيلي لبعض السلع، وسعر سوق سوداء حقيقي. ونتج عن ذلك فقدان الثقة بالليرة محلياً، إذ لجأ الناس للاحتفاظ بالدولار وذهب الكثير من رؤوس الأموال إلى خارج البلاد.
وفي التسعينيات من القرن العشرين، تبنّت حكومة حافظ الأسد بعض الخطوات للإصلاح الاقتصادي الجزئي. فتم إصدار قانون الاستثمار رقم 10 لعام 1991م لتشجيع الاستثمار الخاص، وبدأ الانفتاح المحدود بتحرير التجارة والسماح بإنشاء مصارف خاصة (قانون 28 لعام 2001) لاحقاً، هذه الإجراءات، مع تحسن العلاقات مع دول الخليج بعد مشاركة سوريا في حرب تحرير الكويت عام 1991م، أدّت إلى تدفقات مالية ساعدت في استقرار سعر الصرف تدريجياً، كما انخفض التضخم في النصف الثاني من التسعينيات من القرن الماضي، ووصل الاقتصاد لمرحلة انكماش سعري عام 1999م. ووبحلول أواخر التسعينيات، استقر سعر الدولار عند حوالي 50 ليرة سورية في السوق الرسمية. كما أن الليرة شهدت تحسناً نسبياً في أواخر عقد 1990م، بفعل ارتفاع احتياطيات المصرف المركزي والدعم الإقليمي. ويُذكر أنه بعد أزمة سياسية عام 2005 (خروج القوات السورية من لبنان، واتهام دمشق باغتيال رفيق الحريري)، ارتفع الدولار إلى نحو 65 ليرة لفترة وجيزة، ومن ثم عاد وتحسّن وضع الليرة إلى حوالي 47 ليرة مجدداً مع انحسار التوترات، وتحسن العلاقات الإقليمية عام 2007م.
من الناحية المؤسسية، استمر مصرف سورية المركزي في تلك الفترة بقيادة عدد من الشخصيات البارزة. فإلى جانب عزة الطرابلسي في الخمسينيات، برز الدكتور محمد عيد العطري محافظًا في الثمانينيات، ومن ثم الدكتور محمد خالد المهايني وزيراً للمالية (1985–2001)، والذي أشرف على سياسات التكيّف المالي في أزمة الثمانينيات. وفي التسعينيات تولى الدكتور محمد بشير العبد الله إدارة المصرف المركزي وسعى لتوحيد أسعار الصرف تدريجياً. وكما أسهمت جهود هؤلاء المسؤولين في الحفاظ على قدر من الاستقرار النقدي رغم التحديات، فمثلاً وُحِّد سعر الصرف الرسمي مع سعر السوق بنسبة كبيرة بحلول عام 2001م عند نحو 46-50 ل.س للدولار الأمريكي.
مرحلة حكم بشار الأسد (2000–2010)؛ انفتاح اقتصادي واستقرار نسبي
مع استلام بشار الأسد الحكم عام 2000م، تبنّت الحكومة السورية آنذاك، سياسات انفتاح اقتصادي جزئي بتشجيع من صندوق النقد الدولي، حيث شملت تحرير أسعار بعض السلع، وإنشاء قطاع مصرفي خاص، والسماح بتداول محدود للعملات الأجنبية. ورغم وصف هذه السياسات بـ"الإصلاحية"، فقد أدّت في الواقع إلى اختلالات هيكلية في الاقتصاد السوري. وكما ارتفع العجز التجاري إلى مستويات كبيرة (نحو 350 مليار ليرة سنوياً مطلع الألفية)، وبلغ التضخم حوالي 15%، كما ارتفعت البطالة إلى نحو 30% بحسب بعض التقديرات. ومع ذلك، تمكن المصرف المركزي من المحافظة على استقرار سعر الصرف عبر التدخلات المستمرة واحتياطيات القطع، فبقي الدولار في أوائل العقد الأول من القرن الحالي في حدود 50–52 ل.س. وحتى أنه تم تثبيت سعر الصرف رسمياً بين 2003 و2005 عند 52 ل.س/دولار أمريكي.
استفادت الليرة السورية في تلك السنوات من تدفق بعض الاستثمارات الإقليمية الصناعية والسياحية، خاصة بعد تحسن العلاقات مع تركيا ودول الخليج العربي لبضع سنوات. وبحلول 2006–2007 ورغم العقوبات الأمريكية المحدودة، كان سعر الدولار الأمريكي حوالي 56–60 ل.س في السوق الحرة. ومن ثم أعلن مصرف سورية المركزي في يوليو 2007م اعتماد ربط الليرة بحقوق السحب الخاصة (SDR) بدلاً من الدولار وحده، في محاولة لتنويع سلة الربط وتقليل التقلبات الناجمة عن تغير قيمة الدولار عالمياً. وقد ساعد ذلك الإجراء على تعزيز الثقة بالليرة نسبياً؛ وبالفعل عاد سعر الصرف إلى قرابة 46 ل.س للدولار الواحد عام 2008 مدعوماً بارتفاع عائدات النفط المحلية وازدياد التحويلات.
وبشكل عام، تميّزت فترة (2007 – 2011م) باستقرار نقدي نسبي؛ فقد بقي التضخم ضمن حدود معقولة، واستقرت الليرة لسنوات حول45–50 ليرة مقابل الدولار الأمريكي. وكان آخر سعر رسمي قبل الأزمة حوالي 47 ل.س لكل دولار في منتصف مارس 2011م. وتجدر الإشارة أن الاقتصادي السوري الدكتور أديب ميالة كان من الشخصيات المؤثرة حينها بصفته حاكم المصرف المركزي (2005–2016)، حيث انتهج سياسة سعر صرف شبه ثابت، وأطلق سلسلة إصدارات نقدية جديدة خلال 2009–2010 بتصاميم حديثة، وعناصر أمان متطورة استعداداً للتداول في العقد التالي. ومن تلك الإصدارات ورقة الألفي ليرة التي طُبعت عام 2015م، وحملت صورة مبنى مجلس الشعب في دمشق على وجهها.
مرحلة الثورة السورية حتى التحرير (2011 – 2025م)
مع اندلاع الثورة السورية في 18 مارس 2011م، وتحولها من الحالة السلمية إلى الحالة العنفية والمواجهة المسلحة نتيجة قمع النظام، وتشكل فرق من المنشقين السوريين لحماية الحراك السلمي السوري، دخلت الليرة السورية في مرحلة انهيار تاريخي، فقد انخفضت ثقة المستثمرين والمواطنين سريعًا، وبدأت رؤوس الأموال بالهروب إلى خارج البلاد أو إلى عملات أجنبية. ولقد تزامن ذلك مع عقوبات اقتصادية غربية مشددة عزلت النظام المالي السوري عن العالم، خصوصًا بعد 2011 حيث مُنع المصرف المركزي ومعظم البنوك السورية من التعامل الدولي. وخلال الأشهر الأولى تراجعت قيمة الليرة تدريجياً، حيث وصل سعر الدولار إلى نحو 63 ل. س في نهاية عام 2011م، ومن ثم تجاوز الـ 70 ليرة في عام 2012م، مع تصاعد حدة المواجهة بين النظام وميليشياته والشعب السوري، وبدء سلسلة العقوبات الأمريكية والغربية عليه. ومع امتداد الحرب، تسارع الانهيار، ففي عام 2013م، تخطى الدولار 170 ل.س، وفي 2014 بلغ حوالي 220 ل.س للدولار الأمريكي الواحد.
وبحلول عام 2015م، فقدت الليرة تقريباً كامل قيمتها التي استقرت عليها لعقود؛ إذ تجاوز الدولار عتبة 500 ل.س خلال ذلك العام، واستمر التدهور السريع، فقد وصل سعر الصرف نحو 645 ل.س للدولار الواحد في مايو/ أيار 2016م، قبل أن يشهد استقراراً نسبياً في عام 2017 بين 410–550 ل.س للدولار الواحد. وهذا التحسن المؤقت جاء مع تدخلات المركزي وضخ عملات أجنبية في السوق بدعم من حلفاء الحكومة (خاصة إيران)، هذا بالإضافة لانحسار حدة المعارك الكبرى بعد التفاهمات التركية والروسية والإيرانية في أواخر عام 2016م، ولكن سياسات مصرف سوريا المركزي خلال الحرب تميزت بالتردد وعدم الاتساق – فتارةً يفرض قيوداً مشددة على السحب وتبديل العملات، وتارةً يخففها – مما زاد اضطراب السوق وأضعف الثقة. وكذلك تعددت أسعار الصرف بين سعر رسمي ثابت نظريًا وسعر للسوق السوداء وسعر عبر شركات الحوالات، مما أربك التعاملات.
بحلول عام 2018 كانت سوريا قد انزلقت اقتصادياً إلى خانة الدول الأكثر فقراً. وقد صنّف البنك الدولي سوريا ضمن الدول منخفضة الدخل اعتبارًا من ذلك العام، وتُقدّر وكالات الأمم المتحدة أن أكثر من 90% من السوريين عاشوا تحت خط الفقر بنهاية العقد الثاني من القرن الحالي .(World Bank, 2017) واستمر انحدار الليرة بلا هوادة: تجاوز سعر الدولار 1000 ليرة في 2019، ثم قفز إلى حوالي 2800 ليرة أواخر 2020 بعد إقرار قانون قيصر الأمريكي الذي شدد العقوبات على النظام السوري وداعميه. فقد كان لقانون قيصر (دخل حيز التنفيذ في يونيو 2020) أثر مدمر على ما تبقى من أنشطة اقتصادية رسمية، إذ دفع الكثير من الشركات الأجنبية القليلة التي كانت لا تزال تعمل في سوريا إلى الانسحاب خوفًا من العقوبات، وزاد من عزلة النظام مالياً. ومع شلل الإنتاج المحلي (انخفض إنتاج القمح في 2021 إلى ربع مستواه قبل الحرب بسبب المعارك والجفاف) وتضاؤل احتياطيات النقد الأجنبي، دخلت سوريا مرحلة التضخم المفرط. وظهر ذلك جليًا في الارتفاع الجنوني لأسعار السلع الأساسية وانهيار القدرة الشرائية لرواتب المواطنين التي أصبحت تعادل دولاريّن أو ثلاثة دولارات شهريًا أواخر 2020م.
وفي ظل تلك الظروف المعقدة، عُيّنت عدة شخصيات إدارية لإدارة الأزمة النقدية في حكومات النظام السوري حينها، فقد تولى الدكتور دريد درغام حاكمية المركزي (2016–2018)، واتبع إجراءات صارمة ضد المضاربين وفرض سعر صرف رسمي غير واقعي لفترة، ومن ثم استُبدل بـالدكتور حازم قرفول(2018 – 2020م)، والذي أُعفي أيضاً بعد تفاقم الأزمة، ليأتي محمد عصام هزيمة محافظاً منذ عام 2021م في محاولة لضبط السياسة النقدية.
خلاصة القول، خلال الفترة 2011–2020 خسرت الليرة السورية أكثر من 98% من قيمتها، وانتقلت سوريا من اقتصاد كان يصنف ضمن الشريحة المتوسطة الدخل إلى حالة انهيار اقتصادي شامل. وقد قدّر البنك الدولي ومنظمة الإسكوا حجم الخسائر الاقتصادية المتراكمة بسبب الحرب بأكثر من 400 مليار دولار من الناتج المحلي المفقود حتى 2020، بينما قُدرت الخسائر الإجمالية (المباشرة وغير المباشرة) بنحو 800 مليار دولار مع نهاية 2023 ((ESCWA, 2019 (UNDP,2023). وإن هذه الأرقام الهائلة تفسر الواقع الكارثي الذي انعكس على العملة الوطنية، وجعل استقرارها مرهونًا بالتطورات السياسية بشكل غير مسبوق.
العهد السوري الانتقالي الجديد بعد سقوط نظام الأسد (2025م)
شهدت نهاية عام 2024 حدثاً تاريخياً مدوياً، تمثل في سقوط نظام بشار الأسد نفسه بعد ما يقرب من 14 عاماً من أحداث الثورة السورية. فمع التقدم العسكري لقوات ردع العدوان، ودخولها العاصمة دمشق، أعلن عن انهيار سلطة النظام في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، وتشكيل إدارة انتقالية مؤقتة. وكان لهذا التطور السريع وقع إيجابي مفاجئ -وإن كان قصير الأجل- على سعر صرف الليرة. إذ غداة سقوط النظام بيومين (في 10 ديسمبر 2024) تحسنت الليرة السورية بشكل ملحوظ لتسجّل نحو 11 ألف ليرة للدولار في السوق، أي بارتفاع قيمته أكثر من 50% عن المستوى الذي بلغته قبيل ذلك بأسابيع. ويُعزى هذا التحسن الفوري إلى عامل نفسي يتمثل بارتفاع الآمال لدى المواطنين بقرب انتهاء الحرب، واستقرار الأوضاع وورود الدعم الخارجي لإعادة الإعمار نتيجة الانفتاح الكبير الذي حققته الحكومة الجديدة مع المجتمع العربي والدولي، مما دفع بالبعض لبيع ما يحتفظون به من عملات أجنبية، والتعامل مجدداً بالليرة السورية. ومع ذلك، لا تزال هذه الانتعاشة المؤقتة حذرة ومحدودة النطاق؛ حيث استمرت الأسواق في حالة ترقب شديد حيال المستقبل السياسي والاقتصادي. فعلى الرغم من زوال العامل السياسي الضاغط (النظام الأسدي السابق)، فإن مقومات التعافي الاقتصادي السريع لم تكن متوفرة، وقد استمرت الليرة بالتقلب خلال عام 2025 تحت تأثير الضبابية والانقسام الإداري على الأرض.
وخلال عام 2025م، برزت تحديات كبيرة أمام صانعي السياسة النقدية الجدد حول آلية استعمال العملة القديمة نتيجة وجود رموز النظام السابق عليها، ونتيجة الرغبة في عملية الإصلاح النقدي وخاصة مع وجود اقتصاد مجزأ بين مناطق النفوذ المختلفة، وتعدد الأنظمة النقدية؛ ففي مناطق دمشق والمدن الخاضعة لسيطرة النظام البائد استمر تداول الليرة السورية (رغم انهيار قيمتها)، بينما اعتمدت مناطق كإدلب وريف حلب الليرة التركية عملة للتعامل اليومي خلال سنوات الحرب (حسناوي: 2025: فقرة 21). ولا ننسى أن الحرب تركت خسائر في الاقتصاد المحلي بنحو 50 % مقارنة بعام 2010) وأن كلفة إعادة الإعمار تتجاوز نصف تريليون دولار حسب تقديرات أممية، ما يضع الليرة السورية أمام تحديات غير مسبوقة، هذا عدا الديون الخارجية الموروثة من النظام السابق والتي تترواح بين بين 20 و23 مليار دولار بمعظمها قروض ثنائية لدول إقليمية، وقد ترتفع المبالغ المطالَب بها إلى ما بين 30 و50 مليار دولار عند احتساب التزامات محتملة لصالح إيران وروسيا (الداعمين الرئيسيين للنظام السابق) (حسناوي: 2025: فقرة 21). هذا العبء المالي الهائل يشكل عائقاً إضافياً أمام استقرار سعر الصرف، إذ يخشى المستثمرون من أي إصدار نقدي جديد غير مغطى قد تلجأ إليه الحكومة لسداد الديون أو تمويل إعادة الإعمار، مما يعيد دوامة التضخم من جديد.
وفي مواجهة هذا الإرث الثقيل، شرعت السلطات النقدية الجديدة في دمشق باتخاذ خطوات إصلاحية لإعادة الثقة بالليرة. وفي أكتوبر/تشرين الأول2025 أعلن حاكم مصرف سوريا المركزي الدكتور عبد القادر الحصرية عن خطة لإطلاق إصدار نقدي جديد يتضمن طرح 6 فئات نقدية حديثة التصميم مع حذف صفرين (2) من قيمة العملة، أي جعل 1 ليرة جديدة = 100 ليرة قديمة، وذلك بهدف إعادة هيكلة العملة، وتبسيط التعاملات وتقليل حجم الكتلة النقدية المتداولة (حسناوي: 2025: فقرة 22). وأكد الحصرية أن الفئات الجديدة ستكون بطباعة حديثة "خالية من الصور والرموز" وبمواصفات أمان عالية، انسجاماً مع الاتجاه العالمي نحو تصميم نقدي نظيف ومعاصر. وفي 20 نوفمبر 2025 كشف الحصرية كذلك أن المصرف المركزي أنجز إعادة الربط بنظام سويفت الدولي عبر إرسال أول رسالة SWIFT إلى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو ما يعني بدء استعادة القنوات المصرفية العالمية بعد أكثر من عقد من العزلة. وتأتي هذه الخطوة ضمن جهود إعادة دمج سوريا في النظام المالي والتجاري الدولي ورفع القيود عن التحويلات، الأمر الضروري لجذب الاستثمارات والمساعدات الخارجية.
وعلى صعيد الاقتصاد الكلي، برزت مؤشرات إيجابية حذرة في أواخر 2025. ففي ديسمبر 2025 صرّح حاكم المصرف المركزي بأن الاقتصاد السوري بدأ يسجل نمواً فعلياً يفوق توقعات البنك الدولي التي قدّرت بنحو 1% لذلك العام، وأرجع ذلك إلى عودة حوالي 1.5 مليون لاجئ سوري من الخارج خلال 2025 إثر تحسن الأوضاع الأمنية. وقد ساهمت عودة هؤلاء في زيادة الطلب الداخلي على السلع والخدمات، وكذلك رفد سوق العمل بيد عاملة جديدة، مما أعطى دفعة للنشاط الاقتصادي. ومع أن هذا التعافي لا يزال في بداياته وبحاجة لدعم كبير، فإنه مؤشر على إمكانية استعادة بعض عافية الاقتصاد الوطني، وبالتالي استقرار سعر الصرف على المدى المتوسط. وبالنتيجة، أنهت الليرة السورية عام 2025م، وهي أفضل حالاً نسبياً مما كانت عليه في ذروة انهيار 2024 (حيث تراوح سعرها في نهاية 2025 قرابة 10-12 ألف ليرة للدولار وفق المصادر غير الرسمية)، ولكن الطريق لا يزال طويلاً أمامها لاستعادة مستويات ما قبل الحرب أو حتى كبح التضخم إلى حد معقول. وهذا له علاقة بفترة ما بعد رفع قانون قيصر، والذي دخل حيز التنفيذ منذ أيام، وبداية الانفتاح الاقتصادي، وإمكانية تنفيذ مشروعات تنموية لشركات ومستثمريين دوليين داخل سوريا، وإمكانية تطبيق اتفاق العاشر من آذار/ مارس 2025م مع قسد، والذي من شأنه أن يزيد من معدلات النمو نتيجة عودة الحكومة المركزية لإدارة المنشآت النفطية وحقول الثروة الباطنية، وإدارة محاصيل القمح والقطن وغيرها في الجزيرة السورية، وكلها تعود على قوة وانتعاش الاقتصاد السوري.
العملة السورية الجديدة (29 كانون الأول/ ديسمبر 2025م)
تكشف القراءة الرمزية للعملة السورية الجديدة عن تحول دلالي لافت في وظيفة الورقة النقدية، من التعبير السياسي المباشر إلى لغة بصرية هادئة ترتكز على الأرض والإنتاج الزراعي. فقد خلت فئات العملة الجديدة من أي إشارات إلى القادة، أو المعالم السيادية، أو الرموز العقائدية، وهي عناصر لطالما شكلت البنية الثابتة للورقة النقدية في الأنظمة السلطوية أو المؤدلجة. وبحسب الباحث إبراهيم الأصيل، فإن الدول الخارجة من صراعات مسلحة، أو التي تعيد بناء مشروعها الوطني بعد عقود من الحكم المركزي، غالبًا ما تعيد النظر في رمزية العملة، لتنتقل من تمجيد القائد إلى تكريس المشترك، ومن لغة السلطة إلى لغة الطبيعة. ويضيف أن غياب الصور النمطية – كصور الجنود أو المعالم العسكرية أو القلاع أو الشعارات الرسمية – لا يعني فراغاً في الرمزية، بل يعكس توجهاً مقصوداً لتخفيف الحمولات الأيديولوجية الثقيلة التي ارتبطت تاريخياً بالليرة، ولا سيما منذ عام 1997م مع وضع صورة حافظ الأسد، ومن ثم صورة بشار الأسد عام 201م. .
ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار اختيار رموز مثل القمح، والزيتون، والحمضيات، والسنونو، والنباتات المحلية، هو حلاً جمالياً وتعبيراً عن رغبة ضمنية في تحييد العملة عن الصراع السياسي، وفتح أفق لهوية نقدية قائمة على الإنتاج لا التسلط. وكما يشير هذا التوجه إلى ما عرفته بلدان أخرى خرجت من أنظمة شمولية أو انقسامات أهلية، مثل جنوب أفريقيا، التي اختارت الحيوانات والنباتات بدل رموز نظام الفصل العنصري، ودول أوروبا الشرقية بعد تفكك المنظومة السوفييتية، التي لجأت إلى الرموز الطبيعية لطيّ صفحة الأيديولوجيا الصلبة. حتى رواندا، في أعقاب المجازر، امتنعت عن استخدام رموز تحمل أبعادًا إثنية أو طائفية.
وفي السياق ذاته، يرى الباحث فراس السقال في مقاله "عملة الخير والعمل" أن الرموز الزراعية تعبّر عن عمق في الفهم السياسي والوجداني لمعنى الوطن. فالمعالم التاريخية يمكن أن تُهدم، والآثار تُنهب، والشخصيات محل خلاف أو تأويل، أما الأرض فهي الثابت والمشترك الذي لا يُختزل ولا تثار حوله قضايا الهوية والاختلاف العقدي، فالأرض تمثل حاضناً رمزياً يُعيد تعريف الانتماء من منظور الإنتاج والعطاء لا من منظور الولاء الشخصي أو العقائدي. ومن خلال الابتعاد المتعمّد عن صور الأفراد، توحي العملة الجديدة بأنها تحاول لملمة الشروخ الاجتماعية لا تعميقها، وبأنها تتوجه إلى السوريين كجماعة وطنية موحدة حول رموز الحياة والعمل، لا كجماعات متنافسة تحت ظل صور الزعامة. وبنهاية المطاف، يمكن القول: إن هذا التوجّه الجديد، وإن بقي في حدوده الرمزية، يمثل منعطفاً مهماً في لغة الدولة الجديدة والقيادة المنتصرة بحرب التحرير تجاه مواطنيها من كل المكونات والأعراق والمناطق، ويعيد تعريف العلاقة بين السلطة والهوية النقدية عبر ما تختاره من صور، وما تُقصيه من رموز.
خاتمة
مثّلت الليرة السورية، ومنذ نشأتها، أكثر من مجرد أداة نقدية، وقد كانت مرآة تعكس التحولات العميقة في بنية الدولة والسلطة والاقتصاد. إذ بدأت من ارتباط وثيق بالفرنك الفرنسي زمن الانتداب (Safieddine, 2019)، ومن ثم تحوّلت بعد الاستقلال إلى رمز للسيادة الوطنية بفضل السياسات النقدية الوطنية الناشئة(Traboulsi, 1962) . وشهدت الليرة السوري استقراراً نسبياً خلال العقود التي تلت الاستقلال، مدعومة بدور الدولة المركزي في الاقتصاد (الكفري، 2023)، لكنها سرعان ما انكشفت أمام تحديات الألفية الجديدة، حيث ساهمت أحداث الثورة وما رافقها ومع صدام عسكري وتدخل خارجي وعقوبات قاسية منذ عام 2011 في تسريع الانهيار النقدي (حسناوي، 2025؛ البنك الدولي، 2020).
ومع انهيار النظام السوري في ديسمبر عام 2024، ورثت السلطة الجديدة ليرةً منهكة، واقتصاداً هشاً. وفي عام 2025م، شكّل إصدار عملة جديدة خالية من الرموز السلطوية التقليدية – كصور القادة أو المعالم العسكرية أو المدينية – تحوّلاً لافتاً في الخطاب النقدي، حيث ركّزت الصور على الأرض والزراعة، في محاولة لإعادة تعريف الانتماء والهوية الاقتصادية (السقال، 2025؛ حسناوي، 2025).
ومهما يمكن، فإن قوة العملة لا تُقاس بقيمتها الرقمية فحسب، وإنما تقاس كذلك بقدرة الدولة على بناء مؤسسات نقدية مستقلة، واقتصاد إنتاجي، وثقة مجتمعية، وقدرة على الإدارة العقلانية. ومن هنا، فإن استعادة الليرة لمكانتها الأولى تتطلب إصلاحاً نقدياً عميقاً، وتشريعات سلسلة، وانفتاح اقتصادي ضمن مشروع وطني متكامل لإعادة الإعمار والاستقلال النقدي ومتانة البناء الاقتصادي.
المراجع
· ESCWA. (2019). Syria at War: Eight Years On. United Nations Economic and Social Commission for Western Asia.
· International Monetary Fund. (2006). Syrian Arab Republic: 2006 Article IV Consultation- Staff Report. IMF Country Report No. 06/295.
· Safieddine, Hicham. (2019). Banking on the State: The Financial Foundations of Lebanon. Stanford University Press.
· United Nations Development Programme. (2023). The Impact of the Conflict in Syria. UNDP Report.
· World Bank. (2017). The Toll of War: The Economic and Social Consequences of the Conflict in Syria. Washington, D.C.: World Bank Group.
· حسناوي، تسنيم.(2025). الليرة السورية.. رحلة عملة من الفينيقيين إلى ما بعد نظام الأسد. موسوعة الجزيرة (نُشرت بتاريخ 8 ديسمبر 2025م).
· سميح. جميل. (2024). في مثل هذا اليوم 19 أغسطس 1920..."، موقع إضاءات السوري.
· طرابلسي، عزة.(1962). مذكرات في الاقتصاد السوري. (أول محافظ لمصرف سورية المركزي).
· الكفري، مصطفى العبد الله. (2023). "الإصدار النقدي الأول ونشأة المصارف السورية". الحوار المتمدن، 16 يوليو.
· المقداد، خليل. (2015). "المسكوكات النقدية الفينيقية". مجلة المعرفة، فبراير/ شباط 2015م.