ترك برس
تناول مقال للكاتب والخبير التركي قدير أوستون، التحوّل التدريجي في الدور الأمريكي منذ نهاية الحرب الباردة، مركّزًا على عجز واشنطن عن صياغة استراتيجية كبرى متماسكة بعد 11 سبتمبر، وتخبّطها بين طموح القيادة العالمية ونزعات الانعزال القومي.
يحلّل الكاتب في مقاله بصحيفة يني شفق كيف تحوّلت مكافحة الإرهاب من أداة إلى قيدٍ استراتيجي كبّل السياسة الخارجية الأمريكية، ومهّد لصعود خطاب انعزالي بلغ ذروته مع ترامب، دون أن يقدّم بديلًا استراتيجيًا واضحًا.
ويركّز أوستون على حالة الارتباك البنيوي التي تعيشها الولايات المتحدة كقوة عظمى، ويشرح كيف أدّت الحروب الطويلة، والأزمات الاقتصادية، والانقسام الداخلي إلى إضعاف قدرتها على توجيه النظام الدولي. وفيما يلي نص المقال:
مع اقترابنا من نهاية الربع الأول من هذا القرن، لن يكون من المبالغة القول إنّ الولايات المتحدة تعيش أزمةً حقيقية في تحديد دورها داخل النظام الدولي. فالنظام الأمريكي، الذي دخل القرن الحادي والعشرين بوصفه القوة العظمى الوحيدة بلا منازع، تلقّى صدمة عميقة عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ومنذ ذلك الحين وهو يتخبّط في تحديد استراتيجيته الكبرى. فمنذ عهد بوش، لم تستطع السياسة الخارجية الأمريكية التحرّر من التأرجح بين أقصى الاتجاهات، ومع وصول ترامب أخذت ترسم صورة دولة قومية تتخلى عن ادّعاء القيادة العالمية وتتجه تدريجيًا لتصبح قوة إقليمية فحسب.
وخلال الربع الأول من هذا القرن، حوّلت واشنطن مكافحة الإرهاب إلى عملية عالمية بلا حدود زمنية أو جغرافية، لكنها عجزت عن التخلص من سيطرة هذا الملف على محددات سياستها الخارجية. ونتيجة ذلك، عجزت أمريكا عن بلورة استراتيجية شاملة، واتّبعت سياسة خارجية أكثر ردّ فعلٍ منها تخطيطًا، لتغدو مع مرور الوقت منفصلةً تدريجيًا عن تطلعات شعبها كما عن مصالحها الملموسة في العالم. وبين نزعات الانعزال التي نراها دوريًا في التاريخ الأمريكي ومحاولاتها المتواصلة لاستخدام قوتها العالمية، راحت الولايات المتحدة تتبع سياسة خارجية «بين بين»، تفقد معها تدريجيًا قدرتها على توجيه السياسة الدولية.
من مكافحة الإرهاب إلى الانعزالية
بعد هجمات 11 سبتمبر، كان الشعور السائد أنّ شيئًا لن يعود كما كان. وقفت دول العالم إلى جانب أمريكا التي تعرّضت للإرهاب، وتقبّل المجتمع الدولي عمومًا الإنذار الذي عبّر عنه بوش قائلًا: «إما أن تكونوا معنا أو ضدنا». لكن إدارة بوش بددت رأس المال الأخلاقي العالمي تقريبًا عندما غزت أفغانستان ثم العراق، وأدخلت الولايات المتحدة في «حروب لا تنتهي» بذريعة نشر الديمقراطية.
وقد أنفقت تلك الإدارة تريليونات الدولارات واستنزفت طاقة كبيرة من الجيش الأمريكي على مشاريع بناء الدولة والترويج للديمقراطية، مطلقةً بذلك مسارًا قلب التوازنات الإقليمية رأسًا على عقب. وتحولت «الحرب على الإرهاب» — التي لم تكن أهدافها ولا معايير نجاحها واضحة — إلى واقعٍ يشرعن ضرب أمريكا لأي هدف في أي مكان بالعالم، ويجعل الحاجة إلى تشكيل تحالفات دولية أمرًا بلا معنى. ولم تقتصر الممارسات التي جرى خلالها تجاهل القانون الدولي على تقويض ادعاء أمريكا بالقيادة العالمية، بل أدت أيضًا إلى نفور حلفائها منها.
وعلى الإرث الثقيل لحربي العراق وأفغانستان جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008، فزادت من نفور الشعب الأمريكي من النظام ودفعته إلى البحث عن بدائل سياسية مختلفة. ومع خسارة ملايين الناس لبيوتهم ومدخراتهم التقاعدية، باتت مشاريع بناء الدولة في أفغانستان والعراق تُرى بوصفها غير شرعية أكثر من أي وقت مضى. وقد كانت هذه الموجة من الرفض الشعبي أحد أهم أسباب صعود رئيس «خارج المنظومة» مثل أوباما، كما أسهمت في خسارة كلينتون — التي وُضعت في خانة مرشحة المؤسسة — أمام ترامب.
ومع ما خلّفه الاحتلال والركود الاقتصادي من برود تجاه الانخراطات الخارجية، وجد الخطاب الانعزالي لترامب أرضية خصبة. وحتى مشروعية أجندة مكافحة الإرهاب باتت موضع تساؤل واسع، بحيث استطاع ترامب — رغم مهاجمته العلنية لأسرة بوش — أن يصبح مرشح الحزب الجمهوري. وهكذا دفع ترامب إلى الواجهة نسخة محدّثة من الانعزالية الأمريكية الممتدة تاريخيًا منذ الآباء المؤسسين، ونجح في تسخير غضب الفئات المتضررة من العولمة كسلاح سياسي رئيسي. غير أن «الحرب على الإرهاب» والانعزالية معًا لم يكونا ثمرة استراتيجية مدروسة تراعي مصالح أمريكا وأولويات شعبها، بقدر ما كانا انعكاسين لسياسة انفعالية وردود فعل متعجلة.
ما هي الاستراتيجية الكبرى لأمريكا؟
لم تنجح المحاولات الرامية إلى إنهاء حالة الارتجال وغياب الاستراتيجية في السياسة الخارجية الأمريكية. فمحاولة أوباما تخفيف العبء في الشرق الأوسط عبر تحسين علاقاته مع العالم الإسلامي، كانت تهدف في الأصل إلى توجيه أمريكا نحو استراتيجية تركز على آسيا ـ المحيط الهادئ. وقد أراد أوباما تقليص انخراطه في الشرق الأوسط من خلال الاتفاق النووي مع إيران وحصر ملف القاعدة ضمن سياق مكافحة الإرهاب، غير أنه وجد نفسه عاجزًا أمام سياسات إسرائيل التي كانت تدفع واشنطن للعودة الدائمة إلى المنطقة.
بل إنه لم ينجح — فضلًا عن إطلاق عملية سلام — حتى في تجميد الاستيطان، واضطر للعودة إلى التدخل العسكري بعد ظهور تنظيم داعش. وخلال الربيع العربي، ركّزت واشنطن على استقرار دول مثل مصر حفاظًا على مصالحها الإقليمية ومكانة إسرائيل، ولم تستطع مع ذلك تنفيذ استراتيجية التحول نحو آسيا ـ المحيط الهادئ. ورغم محاولات تطوير العلاقات مع دول المنطقة في عهدَي ترامب وبايدن تحت عنوان «مواجهة الصين»، فإنه من الصعب القول إن ثمة استراتيجية كبرى راسخة يجري تطبيقها؛ إذ بدا أن الرد على صعود الصين جاء متأخرًا، بينما كانت التسمية نفسها تتبدّل أحيانًا من «آسيا ـ المحيط الهادئ» إلى «الهند ـ المحيط الهادئ»، في دلالة على عمق الارتباك.
كما فشل رؤساء هذا القرن في إدارة ردود الفعل الداخلية حيال الدور الدولي لأمريكا. فعدم قدرة أوباما على تمرير الاتفاق النووي مع إيران في الكونغرس، وعجز ترامب عن حشد دعم واسع لضغوطه على إيران أو لمساعيه الدبلوماسية مع كوريا الشمالية، وصعوبة بايدن في إقناع الرأي العام بجدوى الدعم لأوكرانيا — كلها أمثلة دالة. أطرٌ مثل استراتيجية أوباما في آسيا ـ المحيط الهادئ، وشعار ترامب «أمريكا أولًا» المشكك في التحالف الغربي، ورواية بايدن عن «صراع بين الديمقراطيات والأنظمة الاستبدادية» — لم تحظَ بدعم الحزبين معًا.
فبينما كان واشنطن أيام الحرب الباردة يركز على عدو واحد هو الشيوعية ويحظى بدعم شعبي واسع، بات مضطرًا اليوم لإنتاج سياسات تعاني الانقسام والاستقطاب في كل قضية تقريبًا. ومن المرجح أن تستمر هذه الاتجاهات في المرحلة المقبلة؛ فإذا حدث ذلك، فقد تتحول أمريكا تدريجيًا من دولة ترى نفسها قائدًا عالميًا إلى دولة تفكر بعقلية قوة قومية إقليمية. وإذا لم يتمكن الاستراتيجيون الأمريكيون من صياغة استراتيجية كبرى تحظى بدعم عابر للأحزاب ويقبلها الرأي العام، فلن يكون مستغربًا أن نرى الولايات المتحدة تبتعد سريعًا عن كونها قوة عالمية فاعلة.