العملية الأمريكية في إيران والصورة الكبرى: صدام الشطرنج مع لعبة «غو»

ترك برس

العملية الأمريكية في إيران والصورة الكبرى: صدام الشطرنج مع لعبة «غو»

  • منذ 1 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
غولدنر سون أوموت - ملييت - ترجمة وتحرير ترك برس
صبيحة يوم السبت، لم تكن أصوات الانفجارات القادمة من سماء طهران وأصفهان وقم إعلاناً عن عملية عسكرية فحسب، بل كانت أيضاً إعلاناً عن تقسيم جديد في موازين القوى العالمية. هذه العملية التي تقودها الولايات المتحدة بنيران تمهيدية إسرائيلية وأطلقت عليها اسم "الغضب الملحمي" (Epic Fury)، تبدو وكأنها تُظهر أن حقبة "حروب الوكالة" و"المراوغة الدبلوماسية" الممتدة منذ سنوات قد اصطدمت بجدار الحسم الأمريكي. غير أن هذا الهجوم يكشف عن صراع استراتيجي أعمق بكثير مما يبدو؛ صدام بين لعبة الشطرنج ولعبة "غو".
خطأ طهران: العجز عن قراءة العالم الجديد
كانت الإدارة الإيرانية تتبع، تحت عنوان المفاوضات النووية، استراتيجية "كسب الوقت" على طاولة التفاوض. وخطأ طهران كان عجزها عن رؤية أن العالم قد تغيّر، وأن الغرب بات يمتلك ردود فعل جديدة. فبينما رأت إيران في المراوغة الدبلوماسية نافذة فرصة، لم تستشعر قالب القراءة الجديد الذي تتبناه الولايات المتحدة للعالم. تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فور العملية بأن "إيران لن تمتلك أبداً سلاحاً نووياً"، أثبت أن حزم واشنطن ليس مجرد خطاب. لقد أظهر البيت الأبيض هذه المرة بوضوح أنه الطرف الذي "يرسم الحدود" لا الذي "يمنح الفرص".
الشطرنج مقابل "غو": حصار كبير بحركات صغيرة
تاريخياً، تتحرك الولايات المتحدة كأنها لاعب شطرنج؛ تقوم بحركات حاسمة وقاضية في مربعات محددة لإسقاط خصمها مباشرة. عملياتها السابقة في العراق أو أفغانستان مثال على ذلك. ورغم أن الهجوم على إيران يبدو للوهلة الأولى كأنه حركة "كش مات"، إلا أن الولايات المتحدة في الواقع تخوض لعبة "غو" في مواجهة الصين. فالصين، على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية، تحركت وفق استراتيجية "غو" العريقة عبر مبادرة "الحزام والطريق"، مستهدفة تطويق خصمها وكسب المساحات لتقييد حركته. وبهذا، بينما كانت واشنطن تلعب الشطرنج، كانت بكين عبر لعبة "غو" تفرض هيمنتها في مجال المعادن النادرة. واليوم تحاول الولايات المتحدة، عبر خطوة إيران، انتزاع أحد أهم أحجار لوحة "غو" الصينية.
سباق المعادن النادرة وطرق التصدير
يكمن في أساس هذا الصراع أكبر حروب القرن الحادي والعشرين: سباق عناصر الأرض النادرة والمعادن الاستراتيجية. فالصين، عبر سيطرتها على سلاسل توريد هذه المواد الحيوية للاقتصاد الرقمي والطاقة الخضراء، تسعى إلى محاصرة الغرب. والتحرك الأمريكي ليس رغبة في تغيير نظام بقدر ما هو محاولة لإفشال مشروع "الممر الجنوبي" الذي أنشأته الصين لنقل هذه المعادن والمنتجات التجارية إلى أوروبا.
تسعى واشنطن من خلال زعزعة استقرار طهران إلى إسقاط "الجسر البري" الذي يربط الصين بأوروبا.
غياب الاتحاد الأوروبي وتقاسم الأدوار الجديد
أبرز تفاصيل العملية هو الغياب التام للاتحاد الأوروبي. وهذا دليل على تقاسم الأدوار في النظام العالمي الجديد. فهندسة الأمن لم تعد موكولة إلى آليات بروكسل البيروقراطية، بل إلى مراكز القوة الصلبة الممتدة على خط واشنطن – القدس – أنقرة – الرياض.
الفاعلون "المنفردون" في الجنوب العالمي
لم تتمكن روسيا والصين من حماية حليفتهما الأقرب إيران، فكشفتا بذلك حدود خطاب "الشراكة الاستراتيجية". تحذيرات دميتري ميدفيديف من "حرب كبرى" لم تكن كافية لوقف الصواريخ في الميدان. وقد فضّلت موسكو وبكين حماية احتياطاتهما الاقتصادية بدلاً من الدفاع عن حلفائهما. ومن جهة أخرى، فإن إصرار ترامب على استعادة قاعدة باغرام الجوية يندرج ضمن استراتيجية تطويق الصين عند حدودها. أما مهمة "الحراسة" البراغماتية في المنطقة، فتبدو في الوقت الراهن وكأنها أُنيطت بباكستان.
خلاصة القول؛ إن الولايات المتحدة أظهرت بهذا الهجوم أنها مصممة على بعثرة أحجار الصين على لوحة "غو". الرسالة واضحة: "أنا أيضاً أخوض لعبة غو". كما تهدف واشنطن إلى تضييق المساحة على الصين وحسن استثمار الوقت. ساعة الرمل ستُظهر أي استراتيجية ستنتصر، لكن من الثابت حتى الآن أن قواعد اللعبة ما تزال تُكتب في واشنطن.
 


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين




>