وخلال الأيام الأخيرة، تبين أن القواعد العسكرية الأمريكية لا تحمي أحدًا من أي شيء، بل على العكس تخلق مصدرًا للخطر، ففي حال اندلاع نزاعات وحروب تتحول هذه القواعد إلى أهداف بالدرجة الأولى، ونتيجة لذلك تتعرض البنية التحتية القريبة والسكان العاديون لخطر القصف والنيران.
ويطرح هذا الأمر تساؤلًا مهمًا حول العلاقة بين هذه القواعد الأمريكية في
المنطقة العربية وبين الدول المتواجدة فيها، فمن يحمي من؟
ويرى خبراء أن الاعتماد على هذه القواعد بات يفرض كلفة استراتيجية باهظة، إذ لم تعد توفر الردع المأمول، بل تحولت إلى مغناطيس للاستهداف العسكري، حيث زجت هذه القواعد بالدول المضيفة قسرًا في أتون صراعات إقليمية، مهددًا استقرارها الاقتصادي ومصالحها الحيوية، مؤكدًا أن الحاجة باتت ملحة لإعادة دراسة جدوى وجود هذه القواعد في المنطقة.
أكد الدكتور مختار غباشي، الأمين العام لمركز الفارابي للدراسات السياسية والاستراتيجية والخبير السياسي المصري، أن التوترات الراهنة في المنطقة والمواجهات المتصاعدة بين
الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فرضت تساؤلات جوهرية وملحة حول جدوى وجود القواعد العسكرية الأجنبية في دول الخليج، ومدى انعكاس ذلك على أمن واستقرار هذه الدول.
وقال غباشي في حديثه لـ"سبوتنيك": إن "التساؤل الذي يفرض نفسه بقوة في الوقت الراهن يتمحور حول طبيعة العلاقة بين تلك القواعد والدول المضيفة، متسائلًا عما إذا كانت هذه القواعد وجدت لحماية دول الخليج، أم أن الواقع بات يشير إلى أن دول الخليج هي التي توفر الحماية لهذه القواعد".
وأضاف غباشي أن وجود هذه القواعد تسبب في "طامة كبرى" لدول الخليج، معتبرًا أنه لولا وجودها لما تعرضت تلك الدول لمخاطر الاستهداف، حيث بات يُنظر إلى هذه المنشآت العسكرية على أنها أداة في يد الولايات المتحدة وإسرائيل، وهو ما دفع
إيران لتوجيه ضرباتها نحوها.
وأشار الأمين العام لمركز الفارابي إلى أن الأحداث الأخيرة، وتحديدًا منذ فترة الصراعات المباشرة في المنطقة، أثبتت ضرورة إعادة النظر في وجود هذه القواعد، مستشهدًا بوقائع محددة في قطر؛ حيث أوضح أن الضربة التي شنتها إسرائيل ضد قادة حركة حماس لم تحرك ساكنًا في الدفاعات الجوية أو القواعد الأمريكية هناك، بيد أن تلك الدفاعات استنفرت بكامل طاقتها للتصدي للصواريخ والمسيرات الإيرانية التي استهدفت القواعد الأمريكية.
ويرى غباشي أن هذه التباينات توجه رسالة بالغة الأهمية؛ مفادها أن القواعد الأمريكية في المنطقة وجدت من أجل الابتزاز والاستنزاف والضغط على القرار السيادي للدول المضيفة، مؤكدًا أن المرحلة الحالية تتطلب مراجعة استراتيجية شاملة لوجود هذه القواعد وتأثيراتها على أمن المنطقة.
من جانبه أكد حمادة أبو نجمة، خبير القانون الدولي والمحلل السياسي الأردني، أن
التطورات العسكرية المتسارعة في المنطقة تطرح تساؤلات جوهرية حول الدور الحقيقي للقواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في المنطقة، محذرًا من أن هذه المنشآت تتحول تلقائيًا في حالات التصعيد أو الحروب الإقليمية، إلى أهداف ذات أولوية للأطراف المعادية، مما يزج بالدول المضيفة في أتون صراعات قد لا تكون طرفًا فيها.
وبحسب حديثه لـ"سبوتنيك"، إيران أعلنت صراحة استهدافها للقواعد الأمريكية باعتبارها جزءًا من البنية العسكرية الموجهة ضدها، موضحًا أن النتيجة العملية لهذا الواقع هي إقحام الدول المضيفة قسرًا في مسرح العمليات العسكرية، رغم حرصها السابق على النأي بالنفس عن سياسات توسيع المواجهة مع
طهران، وتعبيرها عن مخاوفها من تداعيات ذلك على أمنها واقتصادها ومصالحها الحيوية.
وأضاف أبو نجمة أن الحرب الحالية تشكل "سيناريو كابوسيًا" لدول الخليج، فهي تهدد صورتها كمركز عالمي للاستقرار الاقتصادي والطاقة والتجارة، وتحولها إلى ساحة محتملة للمواجهة رغم أن القرارات الاستراتيجية للحرب تتخذ بعيدًا عن عواصمها.
ولفت إلى أن طبيعة الحروب الحديثة تضاعف من تلك المخاطر، حيث إن عمليات اعتراض الصواريخ والمسيرات قد تؤدي إلى سقوط حطام ومقذوفات تهدد المناطق المدنية والبنية التحتية، وهو ما يحمل الشعوب والاقتصادات الوطنية كلفة باهظة لصراع لم يكونوا جزءًا منه.
وأشار أبو نجمة إلى أن
التصعيد الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران هو المحرك الأساسي لنقل المنطقة إلى مرحلة الحرب المفتوحة، معتبرًا أن سياسات التوسع العسكري التي تتبناها إسرائيل منذ اندلاع الحرب في غزة تهدف إلى إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية لضمان تفوقها، عبر دفع المنطقة نحو منعطفات خطيرة تضعف القوى الإقليمية الأخرى.
ويرى الخبير الأردني أن التجربة الراهنة تثبت ضرورة إعادة النظر في الكلفة الاستراتيجية والسياسية لوجود القواعد الأجنبية، مؤكدًا أنها في أوقات الأزمات الكبرى قد تفقد وظيفتها كعامل ردع، لتصبح بدلًا من ذلك عاملًا يزيد من احتمالات استهداف الدول المضيفة ويهدد أمنها واستقرارها الداخلي.
وشنّت الولايات المتحدة وإسرائيل، في الـ28 من فبراير/ شباط الماضي، سلسلة من
الغارات على أهداف في إيران، بما في ذلك العاصمة طهران، ما خلف أضرارًا كبيرة وسقوط ضحايا مدنيين واغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وعدد من قادة الحرس الثوري والجيش.
وردت إيران بشن غارات صاروخية على الأراضي الإسرائيلية، وكذلك على منشآت عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط في الإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعودية، ووعدت بـ"ردّ غير مسبوق".
وشملت التداعيات كلا من العراق (أربيل)، إسرائيل، الأردن، الكويت، البحرين، قطر، الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية.
وجاءت
الضربات على إيران رغم المفاوضات التي رعتها عُمان بين واشنطن وطهران في جنيف، نهاية فبراير الماضي، بشأن الملف النووي الإيراني.