تركيا بعد إيران".. مشروع حقيقي لا تهديد فارغ

ترك برس

تركيا بعد إيران".. مشروع حقيقي لا تهديد فارغ

  • منذ 1 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
سعيد الحاج - عربي ٢١
من أهم نقاشات ما بعد الحرب "الإسرائيلية"- الأمريكية على إيران؛ من سيملأ الفراغ الذي قد تتركه الأخيرة في المنطقة، واحتمال تسيّد الكيان الصهيوني لها واستهدافه دولا أخرى، في مقدمتها تركيا.
صاغت أنقرة موقفها من العدوان بحذر شديد، فعبّرت عن أسفها وقلقها من "الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران"، وعن رفضها "للهجمات الإيرانية على دول أخرى"، متجنبة صياغات الإدانة المباشرة، للإبقاء على فرصة للوساطة ولو لاحقا. ورغم أنها بقيت خارج إطار التأثر المباشر بالحرب، باستثناء الصاروخ الذي أسقطته قوات الناتو وبعض الآثار الاقتصادية المتوقعة، إلا أنه لا يمكن تجاهل الانعكاسات طويلة الأمد عليها.
احتمال استهداف تركيا بعد إيران طرح له وجاهته، بقرائن كبيرة وشواهد عديدة، على رأسها تصريحات قيادات دولة الاحتلال، وتغيرات وتطورات عديدة في المنطقة، وكذلك توقعات ما قد يطرأ على موازين القوى من متغيرات.
في الحرب "الإسرائيلية" على إيران العام الفائت قال محلل سياسي "إسرائيلي" إنهم "يلعبون نصف النهائي مع إيران وسيكون النهائي مع تركيا". كان ذلك تصريحا غير رسمي ولا يعبر بالضرورة عن حكومة نتنياهو، لكن التصريحات الرسمية لم تتأخر كثيرا، فقد أتحفنا رئيس الكيان إسحاق هريتسوغ قبل أيام بالتأكيد على أن هدف الحرب ليس تغيير النظام الإيراني وحسب وإنما "تغيير كامل منطقة الشرق الأوسط".
قبله بأيام، قال نتنياهو إنه بصدد تأسيس محور يواجه "المحور الشيعي المتداعي والمحور السني الآخذ بالتشكل"، والذي قد تختلف الآراء بخصوص بعد أعضائه، إلا أنه من الأكيد أن تركيا عضو فاعل فيه من وجهة النظر "الإسرائيلية". كما كتب وزير الدفاع الأسبق، المعارض حاليا، يوآف غالانت قبل أيام مقالا كانت فكرته الأساسية أن "تركيا تمثل تحديا أكبر من إيران بالنسبة لإسرائيل" ينبغي مواجهته.
هذه التصريحات لا تنفصل عن تقييم "إسرائيل" لتركيا ونظرتها لها، حيث كانت أدرجتها عام 2021 لأول مرة على قائمة مهدداتها، كما أوصت لجنة "ناجل" العام الفائت حكومة نتنياهو بـ"الاستعداد مواجهة عسكرية مع تركيا خلال سنوات".
"إسرائيل ليست وحيدة في هذا"، فتصريح السفير الأمريكي في "إسرائيل" مايك هاكابي بخصوص تأييده لسيطرة إسرائيل على كامل المنطقة لا يعبر عن رأيه الشخصي فقط، بل عن توجهات إدارة ترامب التي لم تسحب التصريح، وكانت سابقا اعترفت بضم الجولان السوري المحتل ووعدت بالاعتراف بضم الضفة الغربية المحتلة، فضلا عن تصريح ترامب بضرورة توسيع "حدود إسرائيل الضيقة". قبل يومين أيضا طالعنا مقال في صحيفة وول ستريت جورنال يدعو إلى "منع تركيا من ملء الفراغ الذي ستتركه إيران"، في حال إسقاط النظام كما يتوعد ترامب ونتنياهو طبعا.
هذه على صعيد التصريحات، أما على صعيد المتغيرات، فليس خافيا تعديل "إسرائيل" لنظريتها الأمنية وعودتها للنظريات السابقة من قبيل محاصرة دول المنطقة وفق "عقيدة المحيط"، وإضعاف الدول الكبيرة وتقسيمها، وإذكاء الصراعات فيها على أسس عرقية ودينية ومذهبية، والتعاون مع الأقليات، فضلا عن مواجهة التهديدات المحتملة بشكل مباشر وعنيف من قبيل العمليات العسكرية والمناطق العازلة وغيرها.
وقد انعكس ذلك على سوريا نفسها، ثم على الوجود التركي في سوريا باستهدافات مباشرة، كما تمظهر في "الفيتو الإسرائيلي" على مشاركة تركيا في "قوة الاستقرار الدولية" التي يفترض أن تنتشر في غزة وفق خطة ترامب. أكثر من ذلك، فقد عقد نتنياهو قبل أشهر قمة ثلاثية مع كل من اليونان وقبرص (اليونانية) لبلورة تحالف في شرق المتوسط ضد أنقرة، بما في ذلك خطوات عملية من قبيل تشكيل "قوة تدخل سريع خاصة" من الأطراف الثلاثة في شرق المتوسط. وقد وسّع نتنياهو مؤخرا هذا المحور/التحالف ليشمل الهند ودولا عربية وآسيوية لم يسمها، يُفهم في إطار "عقيدة المحيط"، أي محاصرة الدول التي تنظر لها "إسرائيل" كمهددات. الطريف أن تركيا -مع إيران وإثيوبيا- كانت قبل عقود جزءا من هذه النظرية لصالح "إسرائيل" لكنها تتحول اليوم لهدف لها.
وأما ما يتعلق بموازين القوى، فلا يختلف اثنان على أن إسقاط النظام في إيران سيخل بتوازنات القوى في المنطقة، إن أتى نظام محسوب على الولايات المتحدة ومتعاون مع "إسرائيل"، أو قسمت إيران وفُعّل سيناريو الفوضى في المنطقة. وفي كل الأحوال فإن ذلك يصب في صالح "إسرائيل" وأمريكا وليس أي قوة إقليمية أخرى بما في ذلك تركيا، في ظل نظريات "إسرائيل الكبرى"، والسيطرة على البلاد وثرواتها، وادعاء الحق باختيار من يقودها، فضلا عن القوة المفرطة المنفلتة من أي قانون دولي. لقد بدأت "إسرائيل" مع حلفائها فعليا في تنفيذ سيناريوهات الإضعاف والتقسيم من السودان إلى ليبيا ومن الصومال إلى اليمن، وربما سوريا إن استطاعت، فضلا عن نظرية "عقيدة المحيط" التي سبق الإشارة لها، وتستعد لاتفاقات تطبيع وتعاون إضافية بعد الحرب على إيران وفق ما ادعى السيناتور الأمريكي البارز ليندسي غراهام البارحة.
أكثر من ذلك وأخطر منه، أن تقسيم إيران أو إضعافها أو تغيير نظامها يعني تلقائيا حصار "إسرائيل" لها من الشرق، وإعادة تسخين الملف الكردي في المنطقة، والذي كانت أنقرة قد قطعت فيه أشواطا مهمة محليا (مشروع "تركيا بلا إرهاب") وإقليميا (دمج "قسد" في الجيش السوري وحظر العمال الكردستاني في العراق). فإذا ما أضفنا لكل ما سبق التصريحات المباشرة التي تتحدث عن "دور تركيا بعد إيران"، سنرى كيف أن كافة السيناريوهات التي تتضمن انتصارا "إسرائيليا" في الحرب تشكّل تلقائيا خطرا مباشرا وأضرارا استراتيجية على المنطقة وتحديدا لتركيا.
تدرك أنقرة هذا الخطر بشكل واضح، وتتبدى إشارات ذلك في تصريح أردوغان بأن "القوات الإسرائيلية على بعد ساعتين ونصف من حدودنا"، وجلسة البرلمان التركي لمناقشة "التهديد الإسرائيلي"، وتصريح وزير الخارجية هاكان فيدان بأن "إسرائيل تسعى لجر المنطقة لحرب موسعة لإضعافها"، وتأكيد وزير الدفاع يشار غولر "وجود احتمال لمواجهة مع إسرائيل" وإن قلل من فرصها.
كما أن المراكز البحثية التركية اهتمت بهذا الجانب، فدعا مركز "سيتا" المقرب من العدالة والتنمية إلى ضرورة استعداد تركيا لـ"حرب جوية على جبهتين متزامنتين" ويقصد بهما "إسرائيل واليونان"، بينما بحثت "أكاديمية الاستخبارات الوطنية" في "دروس تركيا من حرب الـ12 يوما" والتي كانت خلاصاتها تعبيرا ضمنيا عن ماذا تحتاج تركيا في حال هاجمتها "إسرائيل".
عمليا، بدأت أنقرة مباشرة في تطبيق المقترحات الأربعة للأكاديمية، وهي إنشاء الملاجئ، وتمتين الجبهة الداخلية، وتطوير المنظومات الدفاعية، والمنظومة الصاروخية في البلاد. كما أعلن عن نشرها مقاتلات F16 في جمهورية شمال قبرص التركية "لدعم الأمن فيها"، وهو ما يُقرأ كردٍّ على التعاون اليوناني- القبرصي- "الإسرائيلي" المتزايد والذي يستهدف تركيا قبل أي طرف آخر.
حسنا، قد تكون تركيا هدفا لـ"إسرائيل" بعد إيران، لكنها أمنع منها وأقوى، فهل يجعل ذلك الأمر محض بروباغندا فارغة وتهديدا غير ذي صلة؟ حتى غالانت أشار في مقاله لاختلاف أنقرة عن طهران، من حيث قوتها الذاتية، وعضويتها في الناتو، وعلاقاتها مع الغرب، ما يجعلها "تحديا أكبر لإسرائيل".
يبدو هذا الطرح متعجلا، إذ يغفل أربعة أمور رئيسة:
الأول، أن الموقف الأمريكي غير ثابت ولا مضمون، بل قابل للتغير مع أي إدارة جديدة وحتى مع ترامب نفسه، المعروف بتقلباته والذي يعطي لنفسه الحق في خطف رئيس دولة وتنصيب رئيس على دولة ثانية، والمطالبة بجزيرة على حساب حلفائه الأوروبيين.
الثاني، أن تقييم التهديد لا ينبغي أن يبنى على الظروف الحالية، فهي قابلة للتغير و/أو التغيير، وهذا النوع من الخطط ينفذ على مدى طويل من السنين ويشمل بالضرورة تغيير بعض الظروف والمعطيات.
الثالث، لا يُنتظر أن تكون "إسرائيل" وحدها في مواجهة تركيا إن حدثت، بل سيكون معها -إلى جانب الولايات المتحدة- اليونان وقبرص بالحدِّ الأدنى وربما آخرون.
الرابع، وهو الأهم، أن استهداف تركيا لن يكون بالضرورة بنفس السيناريو الإيراني، بل قد يُلجأ لوسائل أخرى، مثل الانقلابات العسكرية أو الحصار الاقتصادي، أو -وهو الأرجح- إحداث فوضى في المنطقة وإغراق تركيا باللاجئين والإضرار باقتصادها، فضلا عن إعادة تفعيل الملف الكردي الحساس من منظور أمنها القومي، وغير ذلك.
في الخلاصة، فسيناريو استهداف "تركيا" بعد إيران وإضعافها ليس مجرد بروباغندا "إسرائيلية"، ولا مبالغة في استشعار التهديد، وإنما مشروع قائم ويتبلور في تصريحات وخطط وخطوات ومحاور وتحالفات. وهنا، لا عبرة بادعاء الاستثناء والمنعة، فقد ظن العراق نفسه كذلك وظنت إيران مثله، بل العبرة بأخذ الأمر بجدية والعمل ضده، وهو ما يبدو أنه نهج أنقرة مؤخرا.
 

عن الكاتب

سعيد الحاج

باحث في الشأن التركي




عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين




>