ندرت إرسانيل - يني شفق - ترجمة وتحرير ترك برس
بينما نتجه نحو «قمة قادة الناتو» التي ستُعقد في أنقرة خلال شهر تموز/يوليو، والتي يترقبها العالم بأسره بفضول كبير، فإن السؤال الذي ينبغي أن نحمله معنا هو الآتي...
هل تقع تركيا تحت مظلة أي بنية أمنية دولية؟
لم أقل «سقفاً». نعم، نحن عضو في حلف الناتو، لكن النقاش العالمي يجري اليوم على أرضية سياسية...
هناك بالفعل نقاش عام قائم حول ما إذا كان الناتو ما يزال يؤدي جميع وظائفه الحيوية أم لا؛ وهي موجة بدأت مع استعارة «الموت الدماغي» التي أطلقها إيمانويل ماكرون، ثم تصاعدت مع تقليص إدارة ترامب الأمريكية دعمها للحلف، وصولاً إلى الحديث عن سحب القوات من الجبهة الأوروبية...
فالناتو، الذي يُعد طرفاً مستتراً في الحرب الروسية ـ الأوكرانية المستمرة منذ سنوات، والذي يُراد له أيضاً أن يُجرّ إلى منطقة المحيط الهادئ، كيف سيواصل حياته في النظام الجديد؟ وبأي صيغة؟ وهل سيواصلها أصلاً؟
إن هذا موضوع يتجاوز جدل «هل ننسحب من الناتو أم لا؟». ولن نخوض فيه هنا؛ فالغالبية من الأطراف المشاركة في هذه المناقشات، للأسف، تتحرك من منطلق «الاعتماد». فضلاً عن أن موقف أنقرة يقوم على استمرار الناتو واستمرار وجودنا فيه. كما أن سؤال: «إذا تعرضت تركيا لهجوم، فهل سيهبّ الأعضاء لمساعدتها؟ وهل سيتخذون مواقعهم في الجبهة التركية؟» ما يزال مطروحاً في جيوبنا. سنتجاوزه أيضاً...
لدى الحلف مشكلات كثيرة، لكن المعضلة الأساسية هي: كيف ستتمكن أوروبا من الإبقاء على الناتو أو إعادة تشكيله في حال تراجع الدور الأمريكي أو انسحابه جزئياً ـ وهو السؤال الذي سيبحث المراقبون عن إجابته أولاً خلال القمة؟
في أوروبا/الاتحاد الأوروبي، أصبحت محاولات إنشاء «بنية أمنية» جديدة، بسرعة ومن خلال استثمارات مالية ضخمة، أمراً ملموساً. وهي لا تستبعد الناتو في الوقت الراهن، لكن هذا الأمر يُناقش بالفعل. ويتجلى ذلك بصورة أكبر في الاستثمارات الموجهة إلى الصناعات الدفاعية، وفي الخطوات الرامية إلى توسيع نطاق الاتحاد الأوروبي ليشمل محيطه...
نحن أمام مسار تقوده باريس ولندن وبرلين، ويركز بشكل خاص على أوروبا الشرقية والبلقان، إضافة إلى البعد البريطاني. وفي الوقت نفسه، يقدّم هذا المسار روسيا بوصفها الدافع الأساسي أو التهديد الرئيسي...
هل تُتخذ هذه الخطوات أيضاً باتجاه تركيا؟ للأسف نعم. ففي الوقت الذي يُعاد فيه تنظيم المبادرات الميسِّرة لانضمام بعض الدول إلى الاتحاد الأوروبي بشكل كامل، ما تزال تركيا تُعامل بالتجاهل ذاته...
وبطبيعة الحال، فإن أنقرة تدرك الوضع، وهي ترفع صوتها مؤكدة مدى خطأ هذا النهج؛ وأقوى حججها هي: «إذا كانت أوروبا تريد أن تضطلع بدور متقدم بوصفها فاعلاً جيوسياسياً في العالم الجديد، فإن ذلك غير ممكن من دون تركيا»...
هذه هي، بإيجاز، صورة «الخوف الأوروبي من غياب التحالف» داخل إطار التحالف عبر الأطلسي...
في الوقت الذي تدعم فيه تركيا تعزيز وجود الناتو وقوته، فإنها تسعى أيضاً إلى أن تكون شريكاً في المبادرات الأمنية الأوروبية. ولأن كلا البنيتين الأمنيتين ليستا مكتملتين بعد، بل يمكن وصفهما بالناقصتين، فهما لا توفران يقيناً أو موثوقية كاملة، كما أنهما لا تلبيان النظام الذي اعتدناه...
ولهذا السبب، نتجه أيضاً إلى صيغ تعاون أخرى، وإن لم تكن بالحجم نفسه، تراعي بعض مصالحنا الاستراتيجية؛ مثل التحرك مع دول بدأت تتشكل بينها ترتيبات جديدة في الشرق الأوسط، كـباكستان والسعودية وقطر ومصر وغيرها، بل وحتى لعب دور قيادي فيها. وكذلك توسيع منظمة الدول التركية بسرعة وإضافة الأبعاد الأمنية والاستخباراتية إليها. وتفعيل نفوذنا التاريخي في البلقان بصورة أكثر فاعلية وحيوية. وتشكيل كتلة أخرى في حوض بحر قزوين تضم أذربيجان وأرمينيا وجورجيا. والأهم ـ إن أمكن ـ مزامنة كل هذه المسارات مع بعضها البعض...
وتُطلق تركيا على هذا النهج اسم «التملّك الإقليمي».
إلى جانب ذلك، نقيم أيضاً دعائم مساندة؛ من خلال استكمال أمن حدودنا الجنوبية عبر إحلال الاستقرار في سوريا والعراق. والاستفادة من تجربة هرمز لاستضافة مسارات الطاقة العالمية وطرق التجارة الدولية. وتعزيز «طريق التنمية» في العراق، أو تدعيم محاور الطاقة القادمة من بحر قزوين والمتجهة إلى أوروبا...
كما نبذل جهداً لدمج كل هذه المشاريع مع بعضها البعض؛ كربط العراق بسوريا، وبحر قزوين بـ«الممر الأوسط»، وربط الحصيلة النهائية بأوروبا. وهذا ما نسميه «الترابطية».
إضافة إلى ذلك، تقيم تركيا علاقات خاصة مع اللاعبين الأساسيين في منظومات التحالف المختلفة؛ مثل بريطانيا، ومثل السعودية. وفي الوقت ذاته، تبذل جهوداً حثيثة للحفاظ على السلام في المنطقة...
وجميع هذه الخطوات تصب في توسيع الدور والموقع ومجال الحركة؛ ففي الوقت الذي نحاول فيه استقطاب المظلات الأمنية نحونا، فإننا نعد كل واحدة منها أيضاً بتوفير الأمن...
وفي النهاية، سواء تعلق الأمر بشبكات الأمن الرئيسية أو الثانوية، وسواء كانت كافية أم غير كافية، فإننا نواصل تعزيز القوات المسلحة التركية إلى الحد الذي يمكّننا من تأمين أمننا بأنفسنا. إنها قاعدة: «لماذا عنق الذئب غليظ؟».
ومع ذلك، ما يزال الفراغ يُشعرنا بوجوده بقوة...
ذلك لأن التكتلات أو التحالفات الاستراتيجية المذكورة لم تنضج بعد، وحتى في صورتها الأولية لا تمتلك المواصفات الكافية لتلبية الحاجة. وفوق ذلك، فإن لكل واحد منها مشكلاته الداخلية الخاصة. ولو كانت تعمل بصورة مثالية، لتراجعت أيضاً تطلعاتنا إلى «اللا تحالف» أو إلى «الاستقلال الكامل»، لكن حالة عدم اليقين ما تزال هي السائدة...
وضع الناتو والاتحاد الأوروبي واضح، وقد تناولناه. أما منظمة الدول التركية فما تزال تحمل آمالاً كبيرة، لكن اختلاف توقعات الدول الأعضاء يبطئ المسار. كما أن هذه الدول ترتبط بروابط معقدة مع روسيا تعود إلى تاريخها المشترك معها، وما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم. كذلك فإن الولايات المتحدة والغرب يرغبان في ترسيخ موطئ قدم لهما هناك، ما يخلق منافسة حادة تولّد عدم الاستقرار. وفي بعض الأحيان، تتخذ هذه الدول قرارات تُحزن تركيا أيضاً، كما حدث في قضية قبرص الجنوبية أو في ما يتعلق بعلاقاتها مع إسرائيل...
أما دول الشرق الأوسط والخليج، فما تزال تعيش في قلب الحروب. وأمنها الذي ربطته بالولايات المتحدة أصبح موضع تساؤل. وهي تريد تنويع اقتصاداتها، لكن الظروف لا تساعدها على ذلك. كما أنها لا تبدو واثقة تماماً من قدرتها على تحمّل أعباء تحالف إقليمي، بقدر ما تتعرض لشد وجذب من جانب إسرائيل والولايات المتحدة...
وفي البلقان وأوروبا الشرقية، ما تزال المنافسة بين أوروبا المركزية وروسيا حاضرة بقوة. أما رغبتهم في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فهي تعميهم عن خطر أن يتحولوا في الوقت ذاته إلى منطقة عازلة...
وتركيا تحاول، في الواقع، لصق هذه الأجزاء والكسور المتناثرة ببعضها البعض.
لم نتمكن إلا من كتابة القليل. فلنواصل...