لن يتحقق السلام بإعلان إيران عدواً!

ترك برس

لن يتحقق السلام بإعلان إيران عدواً!

  • منذ 3 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
رسول طوسون - ستار - ترجمة وتحرير ترك برس
يبدو أن الولايات المتحدة، التي انجرّت وراء الصهيونية ودخلت في حرب مع إيران، باتت مستعدة حتى للدخول في خلاف مع إسرائيل كي تتمكن من الخروج من هذه الحرب في أقرب وقت ممكن.
فبينما ترى إسرائيل أن مصلحتها تكمن في استمرار الحرب، تفرض المصالح الأمريكية إنهاءها.
ومن هنا ينبع اعتراض إسرائيل على مذكرة التفاهم التي جرى توقيعها.
وبما أن إسرائيل تمتلك بنية وسلوكاً يحملان قابلية لتخريب السلام، فقد حاولت أولاً مواصلة هجماتها على لبنان، لكنها لم تنسحب من لبنان بعد الموقف الأمريكي الحازم، وإن كانت قد أوقفت هجماتها.
ذلك أن الوزراء اليمينيين المتطرفين في إسرائيل، رغم قولهم إن "التوقيع تم بين الولايات المتحدة وإيران ولا يلزمنا"، كانوا يعلمون أن عبارة "الأطراف وحلفاؤهم" الواردة في المادة الأولى من مذكرة التفاهم تجعل إسرائيل أيضاً طرفاً معنيّاً بالالتزام بها.
صحيح أن الطرفين هما الولايات المتحدة وإيران، لكن عبارة "الحلفاء" تشمل إسرائيل تماماً كما تشمل حزب الله والحوثيين.
لذلك، عندما واصلت إسرائيل هجماتها على لبنان، لوّح الجانب الإيراني بالتصعيد وهدد بإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى ممارسة الولايات المتحدة ضغوطاً على إسرائيل، فتوقفت الهجمات في لبنان.
والحقيقة أن الدبلوماسية الإيرانية لقّنت بهذه الخطوة درساً تاريخياً لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
غير أن عدم تضمين بند وقف الهجمات في مذكرة التفاهم لكل من سوريا، وخصوصاً غزة، كان أمراً لافتاً؛ إذ كشف البعد المذهبي في الدبلوماسية الإيرانية وأدى إلى نتائج من شأنها إثارة التساؤلات حول مدى صدقية إيران في تبني القضية الفلسطينية.
فقد أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أنه تم إنشاء "آلية لمنع الصدامات" بهدف وقف الحرب المستمرة في لبنان، أي لحماية حزب الله، وقال: "الاختبار الحقيقي الأول هو آلية منع التصعيد في لبنان". لكن أليس من المثير للتساؤل أنه لا يرى غزة التي تتعرض للقصف يومياً ولا يرى المقاومة هناك؟
وبالطبع فإن همّ إيران ليس لبنان بحد ذاته، بل حزب الله.
فإسرائيل لا تهاجم لبنان وحده، بل تواصل أيضاً هجماتها على غزة.
كما أنها لا تتوقف عن اعتداءاتها في الضفة الغربية.
وتواصل كذلك شن هجمات في سوريا عبر تنفيذ عمليات في القنيطرة.
ولو أن إيران اشترطت "وقف الهجمات في لبنان وسوريا وفلسطين"، لكانت قد حازت تقدير وتعاطف ودعم العالم الإسلامي بأسره.
ذلك أن الوثيقة الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران ليست اتفاقاً نهائياً.
إنها مجرد مذكرة تفاهم تمهد الطريق لاتفاق محتمل، ولا أحد يعلم ما التغييرات التي قد تطرأ عليها خلال مهلة الستين يوماً المقبلة.
نعم، لقد أجبرت إيران الولايات المتحدة على التراجع بفضل مقاومتها للهجمات، ولم تمنح إسرائيل نصراً يمكنها الاحتفال به.
بل إنها حققت نجاحاً مهماً أيضاً من خلال التسبب في توتر العلاقة بين دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو، وبذلك نجحت في إيقاع خصميها في خلاف فيما بينهما.
وهذه العملية قد تكون كفيلة بإنهاء الحياة السياسية لكل من ترامب ونتنياهو.
ولذلك ينبغي دعم إيران حتى النهاية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.
لكن من المؤسف أيضاً أن نرى أن السياسة الخارجية الإيرانية لا تبدي استعداداً لاحتضان جميع المسلمين، وهو ما يصب في نهاية المطاف في مصلحة الإمبريالية.
انظروا الآن، فالأوساط الإمبريالية بدأت بالفعل بالتحريض على تشكيل "جبهة سنية" ضد إيران تضم تركيا ومصر والسعودية وباكستان.
صحيح أننا لسنا شيعة، لكن ديننا يأمرنا بالوقوف إلى جانب المسلم في مواجهة الصهيونية، لا بالانجرار إلى صراع صهيوني ـ شيعي.
فكما قال الرئيس رجب طيب أردوغان: "ليس لدينا دين اسمه السنية أو الشيعية، ديننا هو الإسلام".
وإذا كان السلام سيأتي إلى المنطقة، فلن يأتي عبر إعلان إيران عدواً.
بل ينبغي أن تنضم إيران إلى الرباعي المكوّن من تركيا ومصر والسعودية وباكستان من أجل تشكيل جبهة موحدة في مواجهة الإمبريالية.
وبطبيعة الحال، فإن الشرط الأول لذلك هو أن تتخلى إيران عن سياساتها المذهبية وأن تعتمد السياسات الإسلامية منهجاً وممارسة.
فاسمها "الجمهورية الإسلامية"، لكنها تمتلك سجلاً حافلاً بالاتهامات، من بينها التسبب في سفك دماء مئات الآلاف من المسلمين في العراق وسوريا واليمن، إضافة إلى وقوفها إلى جانب أرمينيا في النزاع الأذربيجاني الأرمني.
ويمكنها محو هذا السجل ليس عبر مزيد من الانقسام، بل من خلال الاندماج مع العالم الإسلامي، ومن خلال الموقف المبدئي الذي ستتبناه خلال المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة على مدى ستين يوماً.
وفضلاً عن ذلك، وحتى لو نجحت في التوصل إلى اتفاق جيد، فإن حجم الأضرار التي تعرضت لها كبير، ولذلك فإن تعافي إيران سيستغرق وقتاً.
ومن ثم فإن إيران بحاجة إلى دعم دول المنطقة، وفي مقدمتها تركيا، ضمن أي بنية أمنية جديدة ستُقام في المنطقة.
ولم تبخل تركيا يوماً بتقديم هذا الدعم لإيران.
أما باكستان وقطر، فهما تؤديان حالياً مهمة تاريخية.
وخلاصة القول، إذا كانت لدى إيران بالفعل عقلية دولة تسعى إلى الوقوف في وجه الصهيونية والإمبريالية وإفشال مخططاتهما، فعليها أن تتحرك بالتنسيق مع تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الدول التركية، والتي أصبحت مركزاً للدبلوماسية العالمية، وكذلك مع حلفائها من الدول الإسلامية.
أما خلاف ذلك، فإن من يتسبب في سقوط نفسه لا يحق له أن يشتكي من عواقب سقوطه.
 

عن الكاتب



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>