تأملات تدبرية في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾

ترك برس

تأملات تدبرية في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾

  • منذ 22 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
د. علي محمد الصلابي - خاص ترك برس
تمثل المشاهد القرآنية آيات ربانيّة على قدرة الله عز وجلّ وقوته، كما تتجلى فيها معاني الرحمة الإلهية بالمؤمنين ونجاتهم بفضل الله، وتتأكد سنة الله في إهلاك المكذبين والضالين. ومنها قوله سبحانه في الحديث عن طوفان نوح عليه السلام: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ۝١١ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ۝١٢﴾ [الحاقة: 11-12].
هذا خطاب من الله تعالى موجه إلى البشر من بعد نوح (عليه السلام)، وحتى قيام الساعة؛ باعتبار أن الذين حُملوا مع نوح (عليه السلام) في السفينة هم الأصول التي انحدر منها أهل الأرض من بعد نوح إلى يومنا هذا، وذلك لكي يجعلها ربنا تبارك وتعالى تذكرة ﴿أيّ: عبر وعظة﴾ للناس جميعاً، لما كان فيها من نجاة المؤمنين وإغراق الكافرين، ولكي تحفظها كل أذن حافظة لما تسمع من تلك الأخبار من "الوعي" بمعنى الحفظ في الذاكرة.
- "الجارية" هي سفينة نوح (عليه السلام)، التي جرت في ماء الطوفان الذي أغرق المنطقة فيما بين دجلة والفرات بماء المطر وتفجير عيون الأرض بالمياه بعدد هائل من العيون، وقد علا الماء الأرض فأغرق كل من في منطقة ما بين النهرين إلا نبي الله نوح (عليه السلام)، ومن حملهم معه من البشر والحيوان والنبات في السفينة.
فقد أثبت الأثري الدكتور (تشارلز ويلليس) في عام 1980م بأن بقايا سفينة نوح قد تم اكتشافها فوق جبل الجودي على بعد 250 ميلاً إلى الجنوب الغربي من جبل (أرارات). وجبل الجودي يمثل أعلى قمة في سلسلة جبال جنوب تركيا، إذ يزيد ارتفاعه على سبعة آلاف قدم فوق مستوى سطح البحر، وقد وجدت بقايا السفينة مطمورة في رسوبيات تواضعت من مياه عذبة تعلو سطح ذلك الجبل (النجار، 1/197).
كذلك، فإن سهول ما بين النهرين دجلة والفرات، والتي كانت مهداً لعدد من الحضارات القديمة سجلت خبر الطوفان الذي وجدت آثاره على هيئة سمك من رسوبيات الماء العذب تغطي المساحة ما بين النهرين، وقد تم الحفر عليها في أربعة مواقع على الأقل هي: "أور"، و"إيريك"، "كيش" أو تل الأحمر، و"شوروياك" أو تل العقدة، ويتراوح عمر هذه الرسوبيات بين ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد، وسبعة آلاف سنة قبل الميلاد، وقد قام بدراسة هذه المواقع مجموعات متتابعة من العلماء منهم: هول وليونارد وولي، في مشروع مشترك بين المتحف البريطاني بلندن وجامعة بنسلفانيا، وقد استمرت هذه البحوث في الفترة من 1922م إلى 1934م، وكشفت عن بقايا حضارات قديمة على عمق عشرة أقدام تتكون من رواسب الماء العذب، كالغرين والصلصال والرمل التي تمتد افقياً للآلاف الكيلومترات المربعة، والتي لا يمكن أن تنتج إلا عن طوفان غامر، وقد تأكد ذلك بدراسة تمت في كهف يقع في شمال العراق يعرف باسم "كهف شانيدار العظيم"؛ يحوي قطعاً من الرسوبيات يعود عمرها إلى مائة ألف سنة مضت، ويحوي بقايا إنسية قام بدراستها الدكتور "رالف سونسكي".
وقد حملت كل رسالات السماء التي أنزلت من بعد نبي الله نوح على نبينا وعليه من الله السلام أخبار هذا الطوفان حتى تكون فيه العبرة لبني الإنسان، ويكون فيه التحذير من الوقوع في أحوال الشرك دون جدوى (النجار، 1-197-198)، ويبقى وصف طوفان نوح كما جاء في القرآن الكريم هو المرجع الحق عن هذه الواقعة الكبرى في تاريخ الإنسانية، وقد لخصها القرآن الكريم في عشرات الآيات، وقد شرحتُها في هذا الكتاب:
- إن في قول الله تعالى: "حملناكم في الجارية"، فالضمير في حملناكم يعود إلى البشرية كلها من بعد طوفان نوح (عليه السلام)، وذلك منه ومن ذراريه أيّ: إلى البشرية كافة من بعد طوفان نوح إلى اليوم وحتى قيام الساعة؛ وذلك لأن الآية الكريمة تشير إلى حمل أصول تلك البشرية الثانية في صلب نوح ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:77].
وإنَّ الناجين من الغرق هم أولاد نوح (عليه السلام)، وأناس آخرون كما هو ظاهر القرآن الكريم، وعلى هذا، فمن آمن بدعوة نوح (عليه السلام) من غير أهله، وإن نجا من الغرق إلا أنهم انقرضوا فيما بعد، ولم يبق منهم نسل، وإنما الذي بقي منهم نسل نوح عليه السلام، وبهذا صح أن نوحاً هو أبو البشر جميعاً بعد آدم (أبو بكر، ص 24).
قال ابن جرير الطبري (رحمه الله): قالوا إنما الذين كانوا معه في الفلك قوم كانوا آمنوا به واتبعوه غير أنهم بادوا وهلكوا، فلم يبقَ لهم عقب، وإنما الذين هم اليوم في الدنيا من بني آدم ولد نوح وذريته دون سائر ولد آدم كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات:77] (الطبري، 1/71).
وتؤكد المعارف المكتسبة في علم الوراثة أن البشرية كلها من لدن أبينا آدم (عليه السلام) وحتى قيام الساعة كانت في صلبه لحظة خلقه، ثم بدأت في التوزع إلى زوجه حواء عليهما السلام، ثم إلى أبنائهما وأحفادهما الذين مثلوا الموجة الأولى من بني آدم، ولما انحرف الناس عن منهج الله بعد عشرة قرون من خلق آدم أرسل الله تعالى إليهم عبده ورسوله نوحاً (عليه السلام) واستعصى على غالبية قومه قبول هدايته، فعاقبهم الله بالطوفان الذي قضى عليهم، وبقيت فضلة من مجموع المورثات التي خلقها الله الخالق البارئ المصور في أول الأمر، وأودعها أبينا آدم - (عليه السلام) - حتى وصل جزء منها إلى أصلاب كل من نوح (عليه السلام) والناجين معه؛ ليخلق الله تبارك وتعالى من تلك الأصلاب موجة البشرية الثانية إلى قيام الساعة.
ومن هنا كان الخطاب في الآية الكريمة التي نحن بصددها موجهاً إلى تلم الموجة الثانية من البشرية التي نجت من طوفان نوح، واستمرت في التكاثر إلى اليوم، وستبقى مستمرة في ذلك إلى قيام الساعة بانقسام الشيفرات الوراثية عندما تكون الخلايا التناسلية وتكاملها بالتزاوج وبالرجوع بعمليات انقسام الخلايا التناسلية إلى الوراء مع الزمن، فإن جميع الشيفرات الوراثية في خلايا السبعة ملايين إنسان الذين يملؤون جنبات الأرض اليوم، وفي خلايا ذراريهم إلى قيام الساعة، تلتقي مع الشيفرات الوراثية التي كانت في صلب نوح (عليه السلام) وفي أصلاب الناجين معه، ومن هنا كان الخطاب لجميع أفراد موجة البشر الثانية، يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ ۝١١ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ۝١٢﴾ [الحاقة: 11-12]
ولقد كان علم الوراثة من أحدث المعارف المكتسبة؛ لأن قوانين الوراثة لم تتبلور إلا في أوائل القرن العشرين، ولما كان مرسى سفينة نوح لم يجدد إلا في نهاية القرن العشرين، كانت الومضتان المبهرتان في الآيتين الحادية عشرة والثانية عشرة من سورة الحاقة تمثلان حقيقتين علميتين صحيحتين تشهدان للقرآن الكريم بأنه لا يمكن أن يكون صناعة بشرية، وهاتان الآيتان الكريمتان تمثلان كذلك وجهاً من أوجه الإعجاز الإنبائي في كتاب الله؛ لأن أحداً من الخلق لم يكن يعلم شيئاً عن تلك الحقائق في زمن الوحي ولا لقرون طويلة من بعده.
كذلك، فإن في الآية الثانية عشر من هذه السورة المباركة إعلام من الله تعالى بأن كشف سفينة نوح سوف يتم في المستقبل، وقد تم ّذلك بالفعل في سنة 1948م، حتى يبقى الحادث الجلل تذكرة للبشر جميعاً تعيه عقولهم، وتستوعبه آذانهم، وهو من أوجه الإعجاز الإنبائي في كتاب الله (النجار، 1-199). وفي قول الله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة:11- 12].
وتصوّر الآية الكريمة مشهد الطوفان والسفينة الجارية، حيث يشير هذا المشهد إلى مصرع قوم نوح حين كذبوا، وممتناً على البشر بنجاة أصولهم التي انبثقوا منها، ومشهد طغيان الماء ومشهد الجارية على الماء الطاغي كلاهما يتناسق مع مشاهد السورة وظلالها، وجرس اللفظين (الجارية - واعية)، يتمشى كذلك مع إيقاع القافية، وهذه اللمسة ﴿ لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ تلمس القلوب الخامدة والآذان البليدة ،التي تكذب بعد كل ما سبق من النذر، وكل ما سبق من المصائر ،وكل ما سبق من الآيات، وكل ما سبق من العظات، وكل ما سبق من آلاء الله ونعمه على أصول هؤلاء الغافلين، وكل هذه المشاهد المروعة الهائلة القاصمة تبدو ضئيلة صغيرة إلى جانب الهول الأكبر هول الحاقة والقارعة التي يكذب بها المكذبون، وقد شهدوا مصارع المكذبين، إن الهول في هذه المصارع على ضخامتها – محدود – إذا قيس إلى هول القارعة المطلق من الحدود المدخرة لذلك اليوم المشهود (سيد قطب، 6/3679).
المصادر والمراجع:
1. النجار، زغلول. من آيات الإعجاز الإنبائي والتاريخي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 2013م.
2. أبو بكر، عمر إيمان. قصة نوح عليه السلام، دار الفكر العربي، الطبعة الأولى، 1428ه- 2017م.
3. الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير. تاريخ الطبري المسمى "تاريخ الرسل والملوك"، دار سويدان، بيروت، 1964م.
4. سيد قطب. في ظلال القرآن، الطبعة الشرعية الثامنة والعشرون، 1430ه- 2009م.
5. الصلابي، علي محمد. نبي الله هود (عليه السلام) وأسباب زوال حضارة قوم عاد. دار ابن كثير. 

عن الكاتب

د. علي محمد الصلّابي

الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين




عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>