المفاوضات الأمريكية - الإيرانية وزيارة ترامب إلى أنقرة

ترك برس

المفاوضات الأمريكية - الإيرانية وزيارة ترامب إلى أنقرة

  • منذ 1 يوم
  • العراق في العالم
حجم الخط:
د. إقبال دورّه - إندبندنت تركية - ترجمة وتحرير ترك برس
إن الانتصار العسكري والانتصار الاستراتيجي ليسا دائمًا الشيء نفسه.
فعلى سبيل المثال، ربما حققت الولايات المتحدة انتصارًا عسكريًا في حرب العراق آنذاك، لكن النجاح الاستراتيجي في المراحل اللاحقة كان من نصيب إيران.
وما يجري اليوم في الشرق الأوسط يرتبط إلى حد كبير بنتائج حرب العراق وما ترتب عليها من تكلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost).
ومن المفيد أيضًا النظر إلى "مفاوضات السلام النسبية" الجارية بين الولايات المتحدة وإيران في سويسرا، بما تشهده من مد وجزر، من هذا المنظور.
فإيران، بسبب الدمار الذي تعرضت له خلال الحرب، تتبنى في المفاوضات موقفًا يحمل نزعة انتقامية. وكأنها تقول: لقد كنا نحن من تعرض للإهانة طوال الحرب، والآن جاء دوركم.
وهذا أمر يمكن تفهمه. فهي تتحرك بثقة تريد من خلالها أن تثبت للرأي العام العالمي أن النجاح الاستراتيجي، وإن لم يكن عسكريًا، كان من نصيبها.
وهذا، في الوقت نفسه، يمثل استمرارًا لاستراتيجية يمكن وصفها بـ**"الدبلوماسية الاستنزافية"**.
ويبدو أن الأدوار قد وُزعت؛ فهناك الشرطي الجيد (قاليباف)، والشرطي السيئ (وحيدي)، والوسيط (باقري).
وفي المقابل، ورغم أن ترامب تصرف خلال الأزمة بمنطق "العين بالعين والسن بالسن"، فإن الصورة العامة التي نراها له هي صورة رئيس يميل إلى التهدئة وتقديم التنازلات.
فلماذا يتصرف ترامب بهذه الطريقة؟
وهل يمكن تفسير ذلك فقط بقرب الانتخابات النصفية؟
إلى حد ما، نعم.
لكن لا ينبغي فهم ذلك على أنه يعني أن ترامب لن يجرؤ، تحت أي ظرف، على العودة إلى الحرب قبل الانتخابات النصفية.
فإذا لم تسر المفاوضات كما يريد، فقد يعود ترامب إلى خيار الحرب مجددًا. فهو بحاجة إلى مشهد يستطيع تقديمه لجمهوره على أنه انتصار مؤكد في الانتخابات النصفية.
لقد حاول تحقيق ذلك عبر الحرب، لكنه لم ينجح حتى الآن.
والآن يحاول تحقيقه عبر السلام.
وإذا لم ينجح، فسيعود إلى الحرب مرة أخرى.
بل إن التوقع السائد لدى الجانب الإيراني هو أن ترامب سيعود إلى خيار الحرب أصلًا بعد الانتخابات النصفية.
ولهذا السبب أيضًا، ترفع إيران سقف مطالبها في المفاوضات.
لأنها تدرك أن الظروف، بالنسبة لها، لن تكون في أي وقت أفضل مما هي عليه الآن.
إن الصورة التالية تشرح، في الواقع، مدى هشاشة مسار المفاوضات.
فإلى جانب جي دي فانس، الذي يكتب بنود الاتفاق على حاسوبه المحمول، يجلس رئيس الوزراء القطري، بينما يقف خلفه كوشنر.
إنهم، بكل بساطة، "يرتبون القافلة وهي في الطريق."
ومن المعروف أن كوشنر، صهر ترامب، تربطه بقطر علاقات تجارية وشخصية وثيقة.
أو بالأحرى، نحن لا نعرف سوى القدر المعلوم منها.
أما حساب مقدار الأرباح المالية التي حققتها عائلة ترامب والمقربون منها من عمليات التلاعب بالأسواق المرتبطة بتقلبات أسعار النفط خلال الحرب، فهو أمر يكاد يكون مستحيلًا.
والفكرة الأساسية التي تعكسها هذه الصورة هي البحث في كيفية تحويل "المكاسب" التي تحققت خلال الحرب إلى مكاسب تستمر خلال مرحلة السلام.
ولذلك، فإن ترامب لا يقول عبثًا إن "إيران ستشتري منا منتجات زراعية."
ورغم أن الجانب الإيراني نفى تصريحات ترامب، فإنني أعتقد أن ترامب لا يثير هذه القضايا من فراغ.
كما أن هذه الصورة تثبت أيضًا الدور الذي تلعبه قطر في المرحلة الحالية.
وفي الشرق الأوسط، إذا كانت قطر طرفًا في أي ملف، فإن تركيا تكون حاضرة فيه أيضًا، سواء من طرفه أو من قلبه أحيانًا.
ولهذا السبب لا يأتي ترامب إلى تركيا عبثًا.
فصحيح أن محركات مقاتلة KAAN وغيرها من الملفات مهمة، لكن هذه الزيارة ليست بهدف "كسب الود" أو، كما وصفها الرئيس الأمريكي نفسه، مجرد زيارة مجاملة.
بل هي زيارة قد تترتب عليها نتائج استراتيجية كبرى، سواء على صعيد السياسة الداخلية أو الخارجية.
لا مكان للنظام الإيراني بصيغته الحالية في المنطقة التي ستُعاد صياغتها
من المبكر جدًا القول إن إيران انتصرت أو إن الولايات المتحدة خسرت.
ففي الشرق الأوسط، لم يعد أحد، بما في ذلك العالم الإسلامي السني، مستعدًا لتحمل أن تحقق إيران انتصارًا استراتيجيًا مرة أخرى.
وكل ما في الأمر أن هذه العملية قد تمتد زمنيًا، أي إنها ستخضع لحسابات تكلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost).
وهذا الاحتمال، أي أن إيران لن تعود أبدًا كما كانت في السابق، يثير، في المعادلة الإسرائيلية، مخاوف تجاه تركيا ينبغي، من وجهة نظر إسرائيل، "معالجتها."
وفي الواقع، فإن أسس حلف سعد آباد، الذي لا يزال قائمًا بحكم الأمر الواقع وإن لم يكن قائمًا رسميًا، بدأت تهتز.
وسيُعاد تشكيل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في المنطقة على هذا الأساس، ولن يكون ذلك ممكنًا من دون تركيا.
وثمة بُعد بالغ الأهمية لهذه الحرب أيضًا، يتمثل في اتساع الشرخ بين العالمين الإسلامي الشيعي والسني بصورة أكبر.
أما التأثيرات المحتملة لهذا الأمر في المستقبل، فهي موضوع يستحق دراسة مستقلة.
وقد تتغير أشياء كثيرة في الشرق الأوسط حتى خلال الفترة القصيرة الفاصلة بين كتابة هذا المقال ونشره.
لكن هناك أمرًا واحدًا لن يتغير:
ما دام النظامان القائمان على الأسس اللاهوتية في إيران وإسرائيل موجودين، فإن المنطقة ستظل تحتفظ دائمًا بقابليتها للانفجار والصراع.
والأمر اللافت، من الناحية الاستراتيجية، هو أن العالم الإسلامي السني بات يضع نفسه في موقع الطرف المناهض لإيران.
 


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>