غزوان مصري - خاص ترك برس
قد تكون المفارقة الأكبر في العلاقة السورية–التركية اليوم أن ملايين السوريين الذين دفعتهم الحرب إلى تركيا، يمكن أن يتحول جزء منهم بعد التحرير إلى واحدة من أهم أدوات إعادة بناء الاقتصاد السوري. فالسنوات التي قضاها السوريون في المصانع والأسواق والشركات التركية لم تكن سنوات انتظار فقط؛ بل راكمت لدى شريحة واسعة منهم خبرة في الصناعة والتجارة والتصدير والإدارة، وشبكات علاقات مع رجال الأعمال والموردين والأسواق. واليوم، مع فتح المعابر وعودة الترانزيت وتسارع التجارة، أصبح ممكناً تحويل هذا الرصيد البشري والاقتصادي إلى قوة تدفع سوريا نحو الإنتاج من جديد.
ما يحدث بين تركيا وسوريا يتجاوز بالفعل مرحلة إعادة فتح الحدود. فوزير التجارة التركي عمر بولات أعلن أن حجم التجارة بين البلدين ارتفع بنسبة 45% خلال عام 2025 ليصل إلى نحو 3.75 مليارات دولار، ثم سجل نمواً إضافياً بنسبة 16% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026، فيما بلغت الصادرات التركية إلى سوريا نحو 1.28 مليار دولار خلال النصف الأول من العام الحالي، بزيادة 26.4% عن الفترة نفسها من العام السابق. والطموح المعلن بات الوصول بالتبادل التجاري إلى 10 مليارات دولار سنوياً.
لكن الأهم من الرقم هو البنية الاقتصادية التي تتشكل خلفه.
هناك اليوم ستة معابر حدودية عاملة بين البلدين، والعمل جارٍ على فتح معبر نصيبين–القامشلي، بالتزامن مع تطوير منظومة النقل والترانزيت. وعلى الجانب التركي افتُتح موقف جديد للشاحنات عند جيلفاغوزو المقابل لباب الهوى، فيما تعمل الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية على توسعة باب الهوى وتحديث ساحات الشحن والأبنية والمرافق ومسارات حركة الشاحنات والمسافرين.
إنها تبدو مشاريع حدودية، لكنها في حقيقتها مشاريع اقتصادية. فاختصار ساعات انتظار الشاحنات يعني تخفيض تكلفة النقل والتخزين، وتسريع دوران رأس المال، وزيادة تنافسية المنتج، والأهم إعادة ربط سوريا بشبكة التجارة الإقليمية.
وهنا نستعيد ميزة سورية ربما تكون أثمن من كثير من الموارد الطبيعية: الموقع الجغرافي.
فسوريا قادرة على أن تكون ممراً بين تركيا وأوروبا من جهة، والعراق والأردن والسعودية والخليج من جهة أخرى. وقد أكد بولات أن سوريا تمثل ممراً مهماً لتركيا نحو الخليج وشمال أفريقيا، بينما تمثل تركيا بالنسبة لسوريا بوابة نحو أوروبا والغرب والقوقاز.
وبالتالي فإن إحياء طريق التجارة البري عبر تركيا وسوريا نحو الدول العربية ليس مشروع نقل فحسب؛ بل مشروع اقتصادي استراتيجي. فالممر التجاري الناجح يولّد حوله المستودعات والمراكز اللوجستية وشركات النقل والتأمين والصيانة والتخليص الجمركي، ثم يجذب المصانع والاستثمارات الباحثة عن القرب من طرق التجارة والأسواق.
لكنني أرى أن هناك فرصة أكبر لا تظهر في أرقام الجمارك والمعابر: الخبرة التي اكتسبها السوريون خلال سنوات وجودهم في تركيا.
فآلاف السوريين عملوا في المصانع التركية، وآخرون أسسوا شركات وورشاً ومؤسسات تجارية، ودخلوا مجالات التصدير والاستيراد والنقل والخدمات والتجارة الإلكترونية. وتعلموا عملياً أنظمة الجودة والمواصفات والتعبئة والتغليف والإدارة والمحاسبة والتسويق، وبنوا شبكات مع موردين ومصنعين وعملاء أتراك وأجانب.
هذه الخبرة هي رأس مال غير منظور تحتاج سوريا إلى استثماره.
فعندما يعود رجل أعمال سوري من تركيا، لا ينبغي أن ننظر فقط إلى مقدار المال الذي سيستثمره، بل إلى شبكة الموردين والعملاء والخبرات التي يحملها معه. وعندما يعود مهندس أو فني أو مدير إنتاج عمل سنوات في مصنع تركي، فإنه ينقل معرفة صناعية ربما تحتاج المؤسسات السورية إلى سنوات لإعادة بنائها.
ومن هنا يجب أن تنتقل العلاقة الاقتصادية السورية–التركية من مفهوم التجارة إلى مفهوم الإنتاج المشترك.
هناك قطاعات مرشحة بقوة لذلك، مثل النسيج والألبسة والصناعات الغذائية والأثاث والبلاستيك ومواد البناء والتعبئة والتغليف والصناعات المرتبطة بإعادة الإعمار. ويمكن أن تدخل رؤوس الأموال والخبرات والآلات التركية في شراكات مع المستثمرين السوريين، وأن تنتقل بعض مراحل الإنتاج كثيفة العمالة إلى الداخل السوري.
ولا ينبغي النظر إلى انتقال بعض الصناعات إلى سوريا باعتباره خسارة للاقتصاد التركي. على العكس، يمكن بناء سلسلة قيمة تركية–سورية مشتركة: تركيا تقدم التكنولوجيا والآلات والخبرة وشبكات التصدير والوصول إلى أوروبا، وسوريا تقدم العمالة والموقع وفرص الاستثمار وإعادة الإعمار والقرب من الأسواق العربية.
عندها لا نتحدث عن مصنع يغادر تركيا إلى سوريا، بل عن صناعة تتوسع من تركيا إلى سوريا ومنها إلى المنطقة.
لكن هذه الفرصة التاريخية لن تتحقق تلقائياً.
فالاستثمار لا يتحرك بالعاطفة، ورأس المال يبحث عن الأمان قبل الأرباح. ولذلك تحتاج سوريا إلى تشريعات مستقرة، وحماية حقيقية للملكية والاستثمار، ونظام مصرفي قادر على تمويل التجارة وتحويل الأرباح، وقضاء تجاري سريع، وجمارك حديثة، وطاقة مستقرة، ونافذة استثمار واحدة تختصر البيروقراطية.
كما ينبغي التعامل مع رجال الأعمال السوريين المقيمين في تركيا باعتبارهم جسراً اقتصادياً استراتيجياً. فهم يعرفون السوق التركية ولغتها وثقافة العمل فيها، وفي الوقت نفسه يعرفون المجتمع السوري واحتياجاته. ومن يستطيع جذب المستثمر التركي إلى سوريا بصورة أكثر فاعلية من شريك سوري عمل معه لسنوات واكتسب ثقته؟
لقد كانت الحدود التركية–السورية خلال سنوات الحرب طريقاً للنزوح واللجوء والألم. واليوم يمكن للمعابر نفسها أن تصبح طريقاً معاكساً: عودة للخبرات ورؤوس الأموال والمصانع والاستثمارات والتجارة.
ولذلك فإن نجاح العلاقات الاقتصادية بين تركيا وسوريا لا ينبغي أن يقاس فقط بالوصول بالتبادل التجاري من 3.75 مليارات إلى 10 مليارات دولار. المقياس الحقيقي هو: كم مصنعاً جديداً سننشئ؟ كم فرصة عمل سنوفر؟ كم خبرة سنعيدها؟ وكم استثماراً سنجذب؟ وهل تستطيع سوريا استعادة دورها ممراً اقتصادياً بين أوروبا وتركيا والعالم العربي؟
السوري الذي يعود اليوم من تركيا لا يعود إلى نقطة الصفر؛ بل يعود حاملاً خبرة وعلاقات وثقافة إنتاج تراكمت خلال سنوات. وإذا أحسنت سوريا استثمار هذا الرصيد، فقد تتحول إحدى أصعب نتائج الحرب إلى إحدى أهم أدوات النهوض الاقتصادي، ويتحول السوريون الذين عاشوا في تركيا من قصة لجوء إلى قصة إنتاج وإعمار وشراكة إقليمية جديدة.