عامل تركيا في عصر الذكاء الاصطناعي

ترك برس

عامل تركيا في عصر الذكاء الاصطناعي

  • منذ 57 دقيقة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
برجان توتار – صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
بدأ معظم الذين تعاملوا بسخرية مع سؤال إيلون ماسك لمن حوله، بشأن شبكة الأقمار الصناعية «ستارلينك» التي غيّرت مسار الحرب الأوكرانية، حين قال: «كيف أنا في الحرب؟»، يدركون جدية الأمر شيئاً فشيئاً. وفي وقت قصير جداً، انتقلنا إلى مرحلة تعيد فيها الطائرات المسيّرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والتقدم في التقنيات العسكرية التي لا تعرف حدوداً في مجال الأتمتة، كتابة قواعد الحرب والسلام معاً.
إن سباق الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، من خلال دمج الحدود الداخلية والخارجية، يحوّل الحوكمة الدولية من مجال للاختيار إلى ضرورة حتمية. ولذلك يدخل العالم مرحلة يمكن أن نطلق عليها «السياسة الداخلية العالمية». ولهذا السبب، تصبح الخطوط الفاصلة بين مجالي السياسة الداخلية والخارجية أكثر ضبابية يوماً بعد يوم.
ولهذا لا يمكننا تناول الحروب في المناطق المختلفة كلّاً على حدة. فنحن نرى أن الإبادة الجماعية في غزة والهجمات على لبنان، والحرب في أوكرانيا، والحرب الأمريكية الإيرانية، أصبحت متداخلة فيما بينها.
وبعد أن منح ماسك كييف الإذن باستخدام «ستارلينك» في هجمات الطائرات المسيّرة الموجهة إلى داخل روسيا، بدأ الزخم في الجبهة يتحول لصالح أوكرانيا. وبالمثل، فإن هجمات إيران التي تُرهق الولايات المتحدة وإسرائيل باستخدام طائرات مسيّرة انتحارية منخفضة التكلفة، تجعل التفوق العسكري التقليدي بلا معنى في عصر الذكاء الاصطناعي.
في هذا السياق، لم تعد قدرة السياسة والاستراتيجية قادرة على مجاراة سرعة الآلات. وفي الواقع، يكشف تقرير «مؤشر السلام العالمي لعام 2026» بصورة لافتة حجم التغير في الجبهات الساخنة والتحول الذي طرأ على طبيعة الحروب. فقد ارتفع عدد هجمات الطائرات المسيّرة التي سُجلت في عام 2018 من 364 هجوماً إلى 42 ألفاً في عام 2025. أي إن هناك زيادة بمقدار 115 ضعفاً خلال سبع سنوات.
ولا تشمل هذه الأرقام بيانات الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران. وإذا أُضيفت إليها إحصاءات أزمة هرمز، فسيتضح بشكل لافت الوزن الهائل لهجمات الطائرات المسيّرة في الحروب. ولعل هذا هو السبب الذي يدفع جميع القوى الكبرى إلى إعادة هيكلة جيوشها. فروسيا تطوّر أقمارها الصناعية «راسفيت» في مواجهة «ستارلينك»، لتكون بديلاً لشبكة الإنترنت «ستارلينك» التابعة لشركة «سبيس إكس».
أما القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، التي لم تتمكن من التعامل مع صواريخ إيران وطائراتها المسيّرة منخفضة التكلفة، فتبحث عن الحل في إنشاء أول «قوة مهام متعددة الجنسيات للطائرات المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه».
وهكذا، فإن الحروب المتداخلة في عصر الذكاء الاصطناعي تُظهر لنا ما يلي: لم يعد احتكار العنف في يد أي طرف. فامتلاككم للتفوق التقليدي لا يعني أن بإمكانكم التحرك كما يحلو لكم. وكما رأينا في أوكرانيا وإيران، يمكن أن تكون الأضرار التي تُلحقها الردود غير المتماثلة بالخصوم المتفوقين عسكرياً كبيرة جداً. ولم يعد أحد يشعر بالارتياح عند استخدام «القوة غير المتناسبة».
ذلك لأن الوصول إلى التكنولوجيا لم يعد أمراً صعباً. فقد أصبحت أجهزة الاستشعار أرخص، وتكاثرت منصات الهجوم، وتكثفت البيانات العسكرية، وقصرت المدة بين تحديد الهدف وضربه، فيما أصبح التحصّن والاستتار أمراً من الماضي.
وبالتالي، لم يعد أحد بمنأى عن المساس أو غير قابل للمواجهة. بل إن التفوق التقليدي، وحتى النووي، يتحول في مرحلة ما إلى «كعب أخيل» للجيوش القوية. إننا ندخل عصراً من التكنولوجيا العسكرية يميل لصالح الضعفاء والقوى الصاعدة. وهذا يدفع العالم، حتماً، إلى التحرك نحو الخط الذي تقف عليه تركيا، الرائدة في ثورة التقنيات العسكرية الجديدة بفضل قفزاتها في تكنولوجيا الطائرات المسيّرة والصواريخ.
وفي هذا السياق، يتحول النموذج الجديد الذي تدافع عنه تركيا إلى اتجاه عالمي، ولا سيما في منطقتنا. ويتمثل ذلك النموذج في استخدام التقنيات العسكرية الجديدة «في بناء السلام والاستقرار أكثر من استخدامها في تأجيج الحروب».
إن الاستراتيجيات التي تتبعها تركيا في سوريا وليبيا والعراق وأوكرانيا وإيران والصومال والسودان وقره باغ هي تطبيقات لهذا النموذج الجديد. وخلاصة القول، إن المشكلة أو الحل لا يكمنان في الذكاء الاصطناعي، بل في طبيعة التصور والتكوين اللذين يمتلكهما الإنسان الذي يصنعه ويستخدمه.
 

عن الكاتب



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>