ترك برس
عاد الحديث عن زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة السورية دمشق إلى الواجهة، بعد تأكيده أنه يعتزم القيام بها «في أقرب وقت»، في خطوة أعادت إلى الأذهان تصريحاً شهيراً أطلقه قبل نحو 14 عاماً، حين تحدث عن اليوم الذي سيزور فيه دمشق ويصلي في الجامع الأموي.
وتعود قصة «أمنية الجامع الأموي» إلى 5 سبتمبر/أيلول 2012، في السنوات الأولى من الثورة السورية، حين كان أردوغان رئيساً للوزراء، وكانت حكومته تتعرض لانتقادات داخلية، لا سيما من حزب الشعب الجمهوري المعارض، بسبب موقفها الداعم للثورة السورية وسياسة استقبال اللاجئين.
وقال أردوغان آنذاك إن حزبه سيذهب إلى دمشق ويعانق السوريين، مضيفاً أنه سيقرأ الفاتحة عند قبر صلاح الدين الأيوبي، ويؤدي الصلاة في الجامع الأموي، ويزور ضريحي بلال الحبشي ومحيي الدين ابن عربي، إلى جانب مجمع السليمانية ومحطة سكة حديد الحجاز، ويدعو هناك من أجل «الأخوة».
ومنذ ذلك الحين، تحولت عبارة «سنصلي في الجامع الأموي» إلى واحدة من أكثر العبارات ارتباطاً بسياسة أردوغان تجاه الملف السوري، وظلت حاضرة في الجدل السياسي التركي طوال سنوات الحرب.
من أمنية سياسية إلى زيارة محتملة
وبعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024 وبدء مرحلة سياسية جديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع، دخلت العلاقات بين أنقرة ودمشق مساراً مختلفاً، مع تنامي الاتصالات السياسية والأمنية والاقتصادية بين البلدين.
وخلال الفترة الماضية، التقى أردوغان بالشرع في أكثر من مناسبة، كان آخرها في أنقرة في 8 يوليو/تموز 2026 على هامش قمة حلف شمال الأطلسي «الناتو»، حيث أكد الرئيس التركي استمرار العمل على تطوير التعاون بين البلدين ودعم استقرار سوريا.
وفي أحدث مؤشر على اقتراب الزيارة، قال سفير تركيا لدى دمشق نوح يلماز إن أردوغان «يكن محبة كبيرة لدمشق والجامع الأموي»، موضحاً أن زيارات كانت مخططة سابقاً أُرجئت بسبب التطورات الإقليمية.
وأضاف يلماز أنه يأمل في رؤية أردوغان في دمشق قبل نهاية عام 2026، معتبراً أن ظهور الرئيسين أردوغان والشرع معاً في الجامع الأموي سيعكس قوة الشراكة المتنامية بين البلدين.
أردوغان: سأزور دمشق في أقرب وقت
وبعد تصريحات السفير التركي بأيام، حسم أردوغان جانباً من التكهنات عندما أعلن، خلال مقابلة مع قناة «الجزيرة» في 17 أغسطس/آب، عزمه زيارة العاصمة السورية.
وقال أردوغان إن مؤسسات الدولتين تقيمان علاقات جيدة، مؤكداً أن تركيا «لن تترك سوريا وحدها»، وأنها ستواصل تقديم ما تستطيع لدعم استقرارها، قبل أن يضيف: «في أقرب وقت سأقوم، إن شاء الله، بزيارة إلى دمشق».
ولم يُعلن حتى الآن موعد رسمي للزيارة أو برنامجها، إلا أن تزامن تصريحات السفير التركي مع تأكيد أردوغان جعل احتمال الزيارة خلال عام 2026 أكثر حضوراً على الأجندة السياسية.
وفي حال وصول أردوغان إلى دمشق وأدائه الصلاة في الجامع الأموي، فإن المشهد سيحمل دلالة تتجاوز زيارة رسمية بين رئيسي دولتين، إذ سيعيد إلى الواجهة وعداً أطلقه قبل 14 عاماً في ذروة الأزمة السورية.
وهكذا، بعد سنوات طويلة من الحرب والتحولات الكبرى التي شهدتها سوريا والمنطقة، يعود السؤال الذي رافق خطاب أردوغان منذ 2012: هل تتحقق أخيراً أمنيته بالصلاة في الجامع الأموي؟
وفي تطور تاريخي، أُعلن يوم الأحد 8 ديسمبر/كانون الأول 2024 عن سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، بعد دخول الفصائل السورية المسلحة إلى العاصمة دمشق. وفرّ الأسد إلى موسكو، منهياً بذلك حكماً دام 24 عاماً، امتداداً لسيطرة عائلته على السلطة منذ عام 1970.
وجاء هذا التحول بعد نحو 14 عاماً من اندلاع الثورة السورية، حيث صعّدت الفصائل المسلحة عملياتها العسكرية منذ أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2024، انطلاقاً من ريف حلب الغربي وصولاً إلى دمشق، لتنتهي بذلك 61 عاماً من حكم حزب البعث وحقبة الأسد في سوريا.
بدورها، أعلنت تركيا دعمها للإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع، وأعادت فتح سفارتها في دمشق بعد نحو 12 عاماً من الإغلاق. وجاء ذلك بعد زيارة رئيس جهاز الاستخبارات التركي، إبراهيم كالن، للعاصمة السورية، في خطوة عكست تأييد أنقرة للتحولات السياسية في البلاد.
وفي أول زيارة لمسؤول أجنبي بعد سقوط النظام، وصل وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إلى دمشق يوم 22 ديسمبر/كانون الأول 2024، حيث أجرى مباحثات مع الرئيس الشرع ومسؤولين آخرين. واستمر تبادل الزيارات رفيعة المستوى بين البلدين، حيث زار وزير خارجية سوريا الجديد، أسعد الشيباني، أنقرة في 14 يناير/كانون الثاني 2025، بينما شهدت العاصمة التركية يوم 4 فبراير/شباط 2025 زيارة تاريخية لرئيس سوري، هي الأولى منذ 15 عاماً.
من جانبه، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مراراً التزام بلاده بدعم سوريا في مرحلة ما بعد سقوط النظام، سياسياً واقتصادياً ودبلوماسياً وعسكرياً. كما شدد على رفض تركيا القاطع لـ"الأطماع الانفصالية" في سوريا، إلى جانب إدانته للهجمات الإسرائيلية التي تصاعدت عقب انهيار نظام الأسد.
ويتواصل التعاون التركي السوري حاليا في شتى المجالات وعلى رأسها الاقتصاد والتجارة والنقل، حيث رفعت تركيا قيودا تجارية كانت مفروضة زمن النظام المخلوع، فيما تقدم مؤسسات القطاع العام والخاص التركية مساعدات مختلفة لسوريا سواء على الصعيد الرسمي أو الشعبي.