تركيا والهندسة الطاقوية الجديدة

ترك برس

تركيا والهندسة الطاقوية الجديدة

  • منذ 2 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ترك برس
في ظل التداعيات المتلاحقة للحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، برزت أزمة مضيق هرمز كعامل محوري أعاد رسم خريطة تدفقات الطاقة العالمية، وفرض تكاليف متزايدة تجاوزت أطراف الصراع المباشر. ويشير الكاتب التركي نصوحي غونغور في تحليل بصحيفة خبر تورك إلى أن استخدام إيران لورقة هرمز ورد الفعل الأمريكي أديا إلى حالة من الجمود على المستوى العالمي، مما دفع الفاعلين خارج دائرة الحرب إلى تغيير مسارات بحثهم وتنويعها بحثاً عن بدائل أكثر أماناً.
ويؤكد غونغور أن لكل أزمة تكلفة تدفع المتضررين إلى الرد، وقد أجبرت تكاليف أزمات هرمز والحرب الجميع على إعادة حساباتهم. فالبدائل التي كانت تُعتبر غير ضرورية أو مهملة في زمن السلم أصبحت فجأة جاذبة. وأصبح العالم مختلفاً تماماً عما كان عليه قبل الحرب، إذ تجري مراكز الاستراتيجية تحليلات وتوقعات جديدة تحت عنوان الطاقة، ما يغير معايير تدفق الطاقة وأمنها من جهة، ويفتح الباب أمام تشكيل تحالفات جديدة من جهة أخرى. ولم يعد التركيز منصباً على أقصر المسارات وأقلها تكلفة فحسب، بل على الطرق البديلة حتى لو كانت أغلى ثمناً، لأن القصة الحقيقية أصبحت القدرة على البقاء، وهي مخاوف تتجاوز مجرد خطر التجمد في منتصف الشتاء.
غير أن الكاتب ينبه إلى أن هذه التحولات لا تنتج نتائج سريعة وخالية من المخاطر. فالهشاشة التي خلفتها الأزمة لا تزول بسهولة بمجرد البحث عن مسارات وبدائل جديدة. فبينما تسعى السعودية إلى تقليل مخاطر هرمز، تجد نفسها أمام ضغط مضيق باب المندب. ويحاول العراق التقدم نحو المتوسط، لكنه يحتاج بشدة إلى استقرار دول العبور. وهكذا يجلب كل تحرك مخاطر جديدة، ما يجعل المخاطر والأزمات المحتملة قابلة للانتشار على نطاق أوسع.
وفي هذا الإطار يرى نصوحي غونغور أن النقطة الأهم بالنسبة لتركيا تكمن في قدرتها على التأثير في هذا التغيير وتوجيهه لمصلحتها، سواء تعلق الأمر بالقيمة الاستراتيجية لدول العبور أو بالتحالفات الإقليمية أو بأمن الطاقة. وتنوع المسارات قيمة ثمينة لأنقرة، وهي تبني سياساتها على هذا الأساس. فرغم أن الدول المحيطة بها قد لا تمتلك احتياطيات تتناسب مع مصادر الطاقة، إلا أن تركيا تدرك جيداً الدور الحاسم الذي تلعبه في استمرار هذه التدفقات.
ويبرز الكاتب أن العراق وسوريا يمثلان محورين حاسمين. فتركيا تتمتع بدور استراتيجي يمتد من الخليج العربي إلى شرق المتوسط، وهي فاعل أساسي في الهندسة الجديدة لأمن الطاقة في معظم التدفقات. ويرتبط ذلك باستمرار التوازن المستقر بين الحكومة المركزية العراقية والإدارة الإقليمية، وهو ما تبذل أنقرة جهوداً واضحة من أجله. أما الدور الذي ستلعبه سوريا في معابر الطاقة مع استقرارها السياسي، فلا يمكن فصله عن الأهمية التي توليها تركيا لوحدة أراضي هذا البلد وسلمه الداخلي. ومن منظور أوسع، تشكل سياسات سوريا والعراق مع مبادرة «تركيا الخالية من الإرهاب» كلاً متماسكاً ذا معنى.
ويشدد غونغور على أن يد أنقرة ليست مقيدة. فهناك نوافذ فرص مهمة أمام تركيا، وهي تمتلك القدرة على التحرك في معظمها، وتفعل ذلك فعلاً. بل يمكن للمسارات التي تبدو بديلة لبعضها أن تتحول عبر يد تركيا إلى مسارات تغذي إحداها الأخرى. فأنقرة ليست مستهلكة للطاقة تراقب أزمة هرمز من بعيد مكتوفة اليدين، بل هي أحد الفاعلين الرئيسيين في تشكيل المسارات الجديدة. ومن وجودها في شرق المتوسط إلى الخطوة الاستراتيجية الجديدة المرسومة في تحالف مكة، يمكن تقييم كل ذلك ضمن هذا الإطار الشامل.
ويختم الكاتب بالتأكيد على أن ارتفاع القيمة الاستراتيجية لدور أي دولة يزيد من عبء أمنها. ولكي تكون تركيا فاعلة في الجغرافيا الطاقوية الجديدة، تحتاج إلى حماية خطوط الأنابيب، وضمان أمن البحار، والحفاظ على علاقات مستقرة مع الجيران، وتوفير نظام قانوني يمكن للمستثمرين التنبؤ به. فأنقرة التي ترتفع قدرتها على إدارة الأزمات تحتاج إلى أن تكون استقرارها الاقتصادي والسياسي على المستوى نفسه من الارتفاع، ما سيمكنها حتى بدون امتلاك الاحتياطيات التي يملكها الآخرون من أن تصبح القوة التي تدير التدفقات وتوجهها.
 


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>