العراق الجديد أصبح الآن بعهدة تركيا

ترك برس

العراق الجديد أصبح الآن بعهدة تركيا

  • منذ 4 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
برجان توتار - صباح - ترجمة وتحرير ترك برس
تعيد الولايات المتحدة النظر في سياستها العالمية، وتعيد تموضعها في مناطق مختلفة. إلا أن عملية إعادة التموضع هذه تُقدَّم على أنها انسحاب من العالم. ولنوضح فورًا أن انسحاب الولايات المتحدة عسكريًا من الدول التي احتلتها، كما رأينا في العراق بعد أفغانستان، لا يعني خروجها من تلك الدول. فهي تسحب قواتها بعد ضمان مصالحها الاقتصادية ومكاسبها الجيوسياسية.
ويُطلق على هذه الاستراتيجية الجديدة اسم «نموذج فنزويلا». ففي 3 يناير/كانون الثاني 2026، أُلقي القبض على رئيس البلاد نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس خلال عملية نُفذت في كاراكاس، ونُقلا إلى مركز الاحتجاز الفيدرالي في مانهاتن بمدينة نيويورك.
وعقب ذلك، وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاقًا تولت بموجبه الإدارة الجديدة السيطرة على احتياطيات النفط الفنزويلية البالغة 65 مليار برميل.
كما طُبّقت عملية مماثلة، من دون الحاجة إلى عملية عسكرية، عبر التدخلات الانتخابية في دول أخرى بأمريكا اللاتينية. وفي أوكرانيا وغرينلاند أيضًا، جرى تفعيل نموذج فنزويلا من حيث النتائج. والآن يأتي الدور على إيران وكوبا.
قد يبدو العراق هنا مختلفًا بعض الشيء، باعتباره دولة احتُلت قبل 23 عامًا. لكن من حيث النتائج وأهداف الولايات المتحدة، فإن العراق، مثل فنزويلا تمامًا، يُترك «وشأنه» بعد وضع مصادر الطاقة فيه تحت السيطرة الكاملة.
وكانت المشكلة الوحيدة أمام الولايات المتحدة هي خطر تحول العراق الذي تتركه مجددًا إلى جمهورية موز تابعة لإيران. وقد اتُّخذت أيضًا التدابير اللازمة لمواجهة هذا الخطر. وفي هذا السياق، قضت الولايات المتحدة، على التوالي، على نفوذ القوات الوكيلة لإيران في الدول التي كانت تتمركز فيها، أو تعمل على القضاء عليه. وبالتالي، بدأت أولى العمليات الموجهة ضد إيران في أفغانستان. فقد انسحبت الولايات المتحدة من كابول في 31 أغسطس/آب 2021، منهيةً احتلالًا استمر 20 عامًا. وبذلك انتهى حكم قائم على الشيعة العلمانيين المقربين من إيران. وفرّ الرئيس أشرف غني من البلاد. وأُعيدت أفغانستان إلى سيطرة طالبان.
ذلك أن الهدف الحقيقي في الاستراتيجية الخاصة بأفغانستان لم يكن طالبان، بل تطويق إيران. وبالفعل، وقبل الهجمات الموجهة ضد إيران في 28 فبراير/شباط 2026، جرى تقويض نفوذ القوات الوكيلة لطهران في دول مثل لبنان واليمن وسوريا والعراق، في حين أُجريت أيضًا عمليات تنظيف جيوسياسية في بعض المناطق في الدول المجاورة مثل أرمينيا وأذربيجان وباكستان وتركمانستان وتركيا. ومع القوى الكبرى مثل روسيا والصين، تم التوصل إلى توافق بشأن «إيران منزوعة السلاح النووي». وبعد هذا التوافق وعمليات التنظيف الجيوسياسي، بدأ الهجوم المباشر على إيران.
 
وبالتالي، فإن انسحاب الولايات المتحدة من العراق يشير إلى أن استراتيجية الضغط الاقتصادي والسياسي على إيران ستصبح أكثر تشددًا، ولا سيما في المرحلة المقبلة.
وقد نقلت الولايات المتحدة قواعدها التسع في العراق، التي كانت عرضة لهجمات القوات الوكيلة لإيران، إلى دول أخرى. وهكذا، أنهت الولايات المتحدة، التي دخلت العراق في 20 مارس/آذار 2003، احتلالها العسكري رسميًا بعد 23 عامًا، في 30 سبتمبر/أيلول 2026. ورغم انسحابها، لا تزال الولايات المتحدة تسيطر على موارد الطاقة العراقية والعائدات المتأتية منها. فمنذ عام 2003، تُودع الدولارات التي يحصل عليها العراق من مبيعات النفط أولًا في البنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ثم ترسل الولايات المتحدة هذه الأموال إلى بغداد. ونظرًا إلى وصول الدولارات إلى أيدي الجماعات المقربة من إيران، كانت الولايات المتحدة قد أوقفت في الآونة الأخيرة تدفق السيولة النقدية إلى العراق.
وفي العراق الذي يعتمد 90 في المئة من إيراداته على النفط، والذي أصبحت خزينته خاوية تمامًا بسبب أزمة هرمز، فرضت الولايات المتحدة، التي عززت نفوذها كثيرًا في الآونة الأخيرة، نزع سلاح قوات الحشد الشعبي شرطًا لاستئناف تدفق السيولة النقدية. وقبل ذلك أيضًا، أُبرمت العديد من اتفاقيات الطاقة طويلة الأمد بين رئيس الوزراء العراقي علي زيدي والولايات المتحدة. وبعبارة أخرى، دخلت شركات النفط هذه المرة إلى العراق الذي خرج منه الجنود الأمريكيون.
وفي العراق الجديد الذي يبتعد تدريجيًا عن مجال النفوذ الإيراني، لا شك أن كل الأنظار تتجه، بعد الانسحاب الأمريكي، إلى تركيا، التي أصبحت الفاعل الجديد في المنطقة وصاحبة الدور في صياغة قواعد اللعبة. ويسود اعتقاد لدى الجميع بأن تركيا وحدها قادرة على ملء الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة. ولذلك، وكما رأينا في سوريا، تبدأ في العراق أيضًا مرحلة مختلفة تمامًا ستكون فيها تركيا الفاعل الأكثر تأثيرًا.
 

عن الكاتب



عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>