باب المندب يعيد إحياء اتفاقية مكة… والاختبار الأول بين الردع والتورط (خبير)

ترك برس

باب المندب يعيد إحياء اتفاقية مكة… والاختبار الأول بين الردع والتورط (خبير)

  • منذ 1 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ترك برس
في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، التي طالما حذّر منها مراقبون، برزت الجبهة اليمنية مجدداً كأحد أبرز مناطق التمدد، حيث باتت تطوراتها تختبر لأول مرة جدية آليات الدفاع المشتركة التي أُرسيت مؤخراً. ويقدّم الكاتب التركي محمد يالجين يلماز، في مقال تحليلي نشرته صحيفة "ستار"، قراءة معمقة لهذه التطورات، مركزاً على اتفاقية مكة ودورها المحتمل في رسم معالم المرحلة المقبلة، دون أن يغفل المخاطر الكامنة في تحويل الدعم الدفاعي إلى تورط مباشر.
يشير يلماز إلى أن التوتر المستمر في المنطقة وجد في اليمن أحد أبرز مجالات القفز، كما كان متوقعاً منذ أشهر. فالتوتر في مضيق هرمز يضغط على الخليج، بينما يرتفع التوتر على خط باب المندب ليضع البحر الأحمر وقناة السويس وطريق التجارة بين أوروبا وآسيا تحت ضغط متزايد. ويؤكد أن المسألة بالنسبة للسعودية لم تعد تقتصر على الحدود اليمنية فحسب، بل امتدت إلى أمن خطوط أنابيب النفط والمصافي والتجارة البحرية، وهي عناصر باتت ذات أهمية حيوية لأسواق الطاقة العالمية.
وينتقل الكاتب إلى اتفاقية مكة، التي تجمع تركيا والسعودية وباكستان، معتبراً أنها تواجه اليوم أول اختبار جدي. فهذه الآلية الدفاعية الجديدة كانت تُنظر إليها حتى وقت قريب على أنها إعلان سياسي في المقام الأول، غير أن الاجتماع الأخير في الرياض أظهر أن آلية الدفاع الجماعي بدأت تتحرك فعلياً للمرة الأولى. ويستشهد بتقييم الخبير سرحت إركمن، الذي يرى أن الاتفاقية لم تعد نصاً حبراً على ورق، بل أُعلن بوضوح أن تركيا وباكستان ستقدمان الدعم للسعودية، على أن يتحول هذا الدعم إلى قدرة عملية بعد استكمال الإجراءات القانونية الداخلية.
ويحرص يلماز على التمييز بين خطوتين مختلفتين تماماً: تعزيز الدفاع السعودي من جهة، والانخراط المباشر في الحرب اليمنية من جهة أخرى. ففي المرحلة الأولى، يبدو الدعم المرتقب مرتبطاً بشكل أساسي بالدفاع الجوي والحماية من هجمات الطائرات المسيرة والصواريخ، فضلاً عن تأمين خطوط أنابيب النفط والمصافي والمنشآت الاقتصادية الحيوية. ويرى إركمن أن الأولوية ستُعطى لحماية البنى التحتية الحرجة. وفي السيناريو الأكثر تفاؤلاً، يمكن قراءة اتفاقية مكة لا كخطوة لتوسيع الحرب، بل كآلية ردع تحد من الأضرار التي قد تلحق بالسعودية.
غير أن الصورة الميدانية أكثر تعقيداً مما قد يبدو. فالإعلام الخليجي يتحدث عن تقدم للقوات المدعومة سعودياً على خط باب المندب والمخا، بينما تنفي مصادر أنصار الله في صنعاء هذه الادعاءات. وهكذا بدأت حرب الدعاية منذ وقت مبكر. ويشدد الكاتب على ضرورة متابعة هذه الحرب الإعلامية جنباً إلى جنب مع متابعة الميدان، لأن هناك إمكانية لظهور جبهة تسعى إلى دفع أطراف اتفاقية مكة من مرحلة الردع إلى الانخراط المباشر في القتال.
ويذكّر يلماز بالأهمية الاستراتيجية لباب المندب، التي عادت إلى الواجهة مع أزمة هرمز. فهذا المضيق ليس مجرد مسألة أمنية يمنية أو سعودية، بل أحد أهم ممرات التجارة العالمية. وأي أزمة فيه ستؤثر على البحر الأحمر وقناة السويس ومسار التجارة بين أوروبا وآسيا. ومن هنا، فإن انتقال الصراع اليمني نحو باب المندب يتجاوز أمن السعودية ليصبح قضية تتعلق بتدفقات الطاقة والتجارة العالمية.
ويؤكد الكاتب أن الدعم التركي والباكستاني للسعودية سيؤدي دوراً موازناً إذا اقتصر على حماية الأراضي السعودية وخطوط الطاقة، دون أن يفتح الباب أمام موجة هجومية سعودية جديدة في اليمن. ويشير إلى أن هناك خبراء أتراك يدركون هذا الخطر ويبدأون في التحذير منه باستمرار، لأن الحرب اليمنية قد لا تبقى محصورة في اليمن.
ويتوقع يلماز أن تكون أولى مناطق التمدد المحتملة هي العراق، حيث قد تزيد الشبكات المسلحة المقربة من إيران من الضغط على السعودية والقواعد الأمريكية. أما المنطقة الثانية فهي القرن الأفريقي، الذي يشمل الصومال وإريتريا وجيبوتي والسودان، وهي مناطق هشة أصلاً بسبب الأزمات والتدخلات الخارجية، وترتبط ارتباطاً مباشراً بأمن البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، يرى الكاتب أن اتفاقية مكة مطالبة بالتحرك كأداة ردع ووساطة في آن واحد. وإلا فإن المنطقة ستواجه انخراط دول جديدة في عملية الاستقطاب المرتبطة بالمنافسة بين الولايات المتحدة من جهة والصين وروسيا وإيران من جهة أخرى.
أما الموقف التركي الصحيح، في نظر يلماز، فهو الاستعداد لمواجهة فخ الحرب الطائفية الشيعية-السنية. فعلى أنقرة، وهي تدعم أمن السعودية، أن تتجنب توسيع الحرب، وأن تسعى إلى دمج إيران في المنظومة الإقليمية، وأن توازن بالدبلوماسية الخط الممتد من باب المندب إلى العراق. ويذكر أن الحزام الأمني التركي يشمل البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وأن عمل هذا الحزام يتطلب تشغيل الدبلوماسية.
ويختم الكاتب بالتأكيد على أن اليمن ليس مجرد اليمن. فمعرفة تاريخ هذا الشعب المحارب وجغرافيته وقدرته على الصمود أمر ضروري. وكل خطوة تُتخذ في باب المندب ستولد نتائج جديدة في العراق والبحر الأحمر والقرن الأفريقي. لذلك فإن الاختبار الأول لاتفاقية مكة لا يقتصر على الدفاع عن السعودية فحسب، بل يتمثل أساساً في القدرة على إنتاج ردع ودبلوماسية تحول دون تحول الجبهة اليمنية إلى حرب إقليمية أوسع.
 


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>