ترك برس
في مقال تحليلي نشره موقع Independent Türkçe، يناقش الدكتور عثمان غازي كاندمير، المحلل الاستراتيجي التركي، كيف يمكن لدولة أن تسحب جنودها وتغلق قواعدها وتنهي عملياتها العسكرية، دون أن تنتهي أنشطتها الرامية إلى الحفاظ على تأثيرها السياسي. ويرى أن أدوات الصراع تتغير، فيصبح الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي وشركات الإعلان وعلوم السلوك وسائل لعمليات تُدار في بيئة المعلومات. ويعتبر أن ما يُزعم عن أنشطة النفوذ السرية البريطانية في العراق يشكل أحد الأمثلة البارزة على هذا التحول.
ويستعرض الكاتب الوثائق الحكومية البريطانية المسربة التي نقلها الصحفي الاستقصائي كيت كلارينبرغ، والتي تدعي أن لندن أقامت بعد هزيمة تنظيم داعش شبكة اتصالية تهدف إلى التأثير في تصورات المجتمع العراقي وسلوكياته. ويبرز العلاقة بين منصة «يالا» الإعلامية المتمركزة في بغداد وشركة الإعلان «إم آند سي ساتشي وورلد سيرفسز»، مشيراً إلى أن الأمر، إن صحت الادعاءات، يتجاوز برنامج دعم إعلامي عادي.
وفي تفكيكه لصورة الإعلام المستقل، يوضح كاندمير أن «يالا» قُدمت كمبادرة إعلامية مستقلة أسسها صحفيون عراقيون شباب، تبتعد عن التوترات الطائفية وتخاطب الشباب، وتمكنت منشوراتها بالعربية والكردية وحساباتها على وسائل التواصل من الوصول إلى جمهور واسع. غير أن الوثائق المسربة تفيد بأن وزارة الخارجية البريطانية لعبت دوراً مهماً في تمويل المنصة، بنحو 4.3 مليون جنيه إسترليني في السنة المالية 2019/2020 و4 ملايين في 2020/2021، بينما تولت شركة «إم آند سي ساتشي» الإدارة والتخطيط الاستراتيجي. ويؤكد أن المشكلة ليست في تمويل دولة أجنبية لمؤسسة إعلامية – فدعم المشاريع الإعلامية الدولية من مصادر خارجية أمر شائع – بل في إخفاء علاقة التمويل والتوجيه عن الجمهور المستهدف. ففي مثل هذه الحالة قد تتحول صورة الاستقلال إلى أداة لبناء نفوذ سياسي. وتزعم الوثائق استخدام شركات وسيطة وقنوات دفع طرف ثالث وأساليب لإخفاء الآثار الرقمية، وإنتاج محتويات عبر مراسلين محليين ومؤثرين على وسائل التواصل وكوميديين، ثم نقلها إلى وسائل الإعلام التقليدية لتوسيع نطاق التأثير.
ولفهم طبيعة العملية، يرى الكاتب ضرورة النظر في كيفية تعريف الهدف. ففي استراتيجية «إم آند سي ساتشي» يبرز نهج يركز على تغيير المواقف والسلوكيات أكثر من مجرد نقل المعلومات. ويصف هذه الأنشطة بأنها تستهدف تصورات الإنسان ومواقفه وعمليات اتخاذ القرار، ولذلك يمكن تصنيفها ضمن البعد المعرفي لعمليات بيئة المعلومات، وفي إطار الحرب المعرفية. ويشير إلى أنها تنطلق من مشكلات حقيقية يعانيها الشباب العراقي كالأزمة الاقتصادية والبطالة والمشكلات الأمنية وانعدام الثقة في المؤسسات السياسية، وتتناول موضوعات التنمية الفردية وتخطيط المسار المهني والمرونة النفسية والانسجام الاجتماعي. ويقر بأن هذه الموضوعات في ذاتها لا غبار عليها، وأن تقديم نصائح مهنية وتشجيع التفاعل الثقافي بين المجتمعات أنشطة مشروعة. غير أن الأمر يتغير إذا أُعدت المحتويات وفق هدف سياسي سري وأُخفي توجيهها الخارجي عن المشاهدين. فالمحدد هنا ليس موضوع المحتوى بقدر ما هو الغرض والطريقة التي يُستخدم بها. ويلفت إلى برامج يظهر فيها كوميديون من مناطق عراقية مختلفة يزورون مدن بعضهم بعضاً ويلتقون عائلات محلية ويشاركون الحياة اليومية، مشيراً إلى أنها قد تدعم التوافق الاجتماعي، لكن الوثائق تزعم أنها خُططت لتقليص الانقسامات الطائفية وخلق مناخ اجتماعي متوافق مع أهداف سياسية معينة. ويؤكد أن هذا الأسلوب يبين أن السعي للتأثير المعرفي لا يقتصر على رسائل الدعاية الصريحة، بل يمكن أن تستخدم محتويات تخاطب الحياة اليومية والاهتمامات والمشاعر لتشكيل المواقف والسلوكيات.
أما البعد الجيوسياسي، فيشير الكاتب إلى أن الوثائق تزعم أن تحليلات الجمهور المستهدف راعت الاختلافات الطائفية والإثنية في المجتمع العراقي وحاولت توجيه التصورات المتعلقة بنفوذ إيران. ويوضح أن نفوذ طهران السياسي والعسكري في العراق بعد 2003 يعد أحد العناصر الأساسية لتوازن القوى، وأن الحد منه قد يُنظر إليه كهدف مهم في السياسات الإقليمية الغربية. غير أنه يحذر من أن استخدام الانقسامات المجتمعية لهذا الغرض قد يجعل السياسة الداخلية العراقية أكثر انفتاحاً على التدخلات الخارجية. ويتساءل كيف يمكن لخطاب التوافق الاجتماعي والمصالح الجيوسياسية أن يلتقيا في النشاط نفسه، مشيراً إلى أن حملة تستهدف تقليل الصراع الطائفي قد تسعى في الوقت ذاته إلى تقييد تأثير فاعل إقليمي معين. ويرى أن الجمع بين الهدفين يجعل شفافية مصادر التمويل والأساليب المستخدمة أكثر أهمية. ويميز مفاهيمياً بين هدف السياسة الخارجية (تقييد نفوذ إيران) وبين أساليب التأثير المعرفي المستخدمة لبلوغه.
وفي مناقشته للتأثير السري في بيئة المعلومات، يعتبر كاندمير أن مثال «يالا» يفتح نقاشاً حول كيفية إدارة صراع النفوذ في العصر الرقمي. ففي الحرب الباردة كانت الدول تنشر سردياتها عبر الصحفيين ووسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية، أما اليوم فتمكن منصات التواصل والإعلان الرقمي والمؤثرون وتحليلات الجمهور من تنفيذ هذه الأنشطة بدقة أكبر. ويشير إلى مفهوم «الأستروتورفينغ» الذي يعني تقديم نشاط توجهه دولة أو مجموعات مصالح مؤسسية على أنه حركة شعبية عفوية أو مبادرة مدنية مستقلة. ويؤكد أنه ينبغي التعامل معه هنا لا كفئة عمليات مستقلة، بل كأحد الأساليب السرية التي يمكن استخدامها للتأثير المعرفي، لأن التصنيف المفاهيمي يعتمد على طبيعة الهدف لا على اسم الأداة. فإذا سُعي عبر شبكة اتصالية إلى توجيه مواقف الناس وسلوكياتهم، فإن النشاط يُقيَّم ضمن البعد المعرفي. ويحذر من أن المشكلة لا تقتصر على تبني المجتمع المستهدف لرأي سياسي معين؛ فكشف التوجيهات السرية قد يُضعف الثقة في الصحافة المستقلة ومنظمات المجتمع المدني، بل وقد يمتد تأثير الشك إلى المبادرات المستقلة فعلاً. ويمكن لهذا التآكل في الثقة أن يغير طريقة تقييم المجتمع لمصادر الأخبار وتعامله مع المؤسسات، متجاوزاً الأثر المباشر على الجمهور المستهدف.
وفي ختام تحليله، يربط الكاتب القضية بمسألة السيادة المعلوماتية. ويرى أن مثال العراق يُظهر أن صراع النفوذ يمكن أن يستمر بأدوات مختلفة بعد التدخل العسكري. والمسألة الأساسية التي ينبغي مناقشتها هي التمييز بين البعدين التقني والمعرفي لعمليات بيئة المعلومات. فالحرب الموجهة نحو المعلومات تستهدف أنظمة المعلومات وتدفقات البيانات وقدرات المعالجة، بينما تركز الحرب المعرفية على كيفية تفسير الإنسان للمعلومات وتكوينه للمواقف واتخاذه للقرارات. ويؤكد أن المحتويات الإعلامية وتحليلات الجمهور وأنشطة تغيير السلوك الواردة في الادعاءات حول «يالا» ترتبط أساساً بالمجال الثاني. ويوضح أن استخدام المنصات الرقمية لا يُدرج النشاط تلقائياً ضمن الحرب الموجهة نحو المعلومات؛ فإذا استُهدفت المنصات كنظم تقنية أو استُخدمت لتعطيل تدفقات المعلومات، فإن التقييم يختلف. أما عند استخدامها لتوجيه التصورات والسلوكيات، فإن وظيفة التأثير المعرفي هي التي تبرز. ويخلص إلى أن السيادة المعلوماتية تكتسب معناها في هذا الإطار: فأي معلومات يصل إليها المجتمع، وأي مصادر يثق بها، وكيف يفسر الأحداث، كلها أمور ذات أهمية استراتيجية. وتشغيل شبكة اتصالية ممولة من الخارج تحت مظهر صحافة محلية مستقلة لأغراض سياسية يُبهم الحدود بين الاتصال المشروع والتدخل السري. وتُظهر الادعاءات المتعلقة بالعراق أن صراع النفوذ يمكن أن يستمر عبر المنصات الرقمية حتى بعد انسحاب القوات العسكرية، وأن مفهوم عمليات بيئة المعلومات يوفر إطاراً مشتركاً لتقييم هذه الأنشطة، بينما يتيح التمييز بين الحرب الموجهة نحو المعلومات والحرب المعرفية أساساً تحليلياً أكثر اتساقاً من خلال الفصل بين الأدوات والأهداف والآثار المتوقعة.