احتجاجات فرنسا وأزمة الحضارة الغربية في إنتاج المعنى

ترك برس

احتجاجات فرنسا وأزمة الحضارة الغربية في إنتاج المعنى

  • منذ 11 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ترك برس
يشهد الشارع الفرنسي منذ أسابيع موجة احتجاجات بدأت بتحركات طلاب المدارس الثانوية، ثم اتسعت لتشمل شرائح أوسع، بما في ذلك عودة «السترات الصفراء» إلى الساحة بعد غياب نسبي منذ عام 2018. وقد تحولت هذه التحركات بسرعة إلى مشاهد عنف وتخريب في مدن عدة، مع أعمال نهب وحرق وإصابات واعتقالات، مما أثار مخاوف من امتداد الاضطرابات إلى دول أوروبية أخرى. 
وفي هذا السياق، يقدم الكاتب والمفكر التركي يوسف قابلان في مقال تحليلي بصحيفة «يني شفق» قراءة فلسفية عميقة تتجاوز السطح السياسي والاجتماعي للأحداث، لترى فيها تجلياً لأزمة وجودية أعمق تعانيها الحضارة الغربية.
يقول الكاتب إن ما يحدث في فرنسا ليس مجرد فوضى عابرة أو تجاوزات من جماعات يسارية متطرفة، بل هو «النتيجة الحتمية لبناء الحضارة الغربية على العنف الأنطولوجي». ويوضح أن المشكلة الأساسية ليست تقنية أو اقتصادية، بل وجودية في جوهرها. 
فمنذ الثنائية التي أنتجتها الوثنية الإغريقية، دأبت هذه الحضارة على قراءة الوجود من خلال الصراع: بين الإنسان والإله، والإنسان والطبيعة، والذات والموضوع، والقوي والضعيف. علاقة قائمة على الهيمنة لا على التوازن أو المصالحة.
ويرى قابلان أن هذا التوجه تعمق مع الحداثة. فمنذ أن وضع ديكارت «الذات المفكرة» العالم أمامها كموضوع، ومنذ أن أغلق كانط الميتافيزيقا بتحديد العقل، ومنذ أن قدس نيتشه «إرادة القوة»، أصبحت الحضارة الغربية تبني الوجود على هاجس «الامتلاك والغلبة» لا على هاجس «الكينونة». 
أما الحداثة العلمانية فقد أسست لهذا العنف المؤسسي، إذ أدى إفراغ المتعالي من مضمونه إلى استحالة إنتاج المعنى. وعندما تختفي الثوابت — الحقيقة والعدل والرحمة — لا يبقى سوى صراع المتغيرات والرغبات والقوى.
ويشير الكاتب إلى أن التيار ما بعد البنيوي في الفكر الفرنسي (فوكو الذي يرد كل شيء إلى علاقات السلطة، ودريدا الذي يرى المعنى في انزلاق دائم، ودولوز الذي يحتفي بتمرد الرغبة على القانون) لم يملأ هذا الفراغ، بل عمّقه. والنتيجة، كما يقول: «مجتمع لا ينتج معنى لا يستطيع أن يعبر عن نفسه إلا بحرق الشوارع ونهبها، قائلاً: إن احترقنا فسنحرقكم معنا». 
وهكذا تتحول الاحتجاجات التي تبدأ بمطالب مشروعة — تدهور المدارس، غياب المعلمين، غلاء المعيشة، تآكل الدولة الاجتماعية — إلى طقوس حرق للمباني العامة، لأن الشعارات الجمهورية عن «الحرية والمساواة والأخوة» بقيت شكلية خالية من مصدر متعالٍ يغذيها. وعندما يغيب المتعالي، يصبح العدل مجرد قناع لعلاقات القوة. وهذا، في نظر الكاتب، هو «التهام الحضارة الغربية لأبنائها».
أما مخرج الأزمة، فيؤكد قابلان أنه لا يكمن في المزيد من الديمقراطية أو السياسات الاجتماعية أو العلمانية داخل المنظومة الغربية نفسها. المشكلة أنطولوجية، والحل يتطلب الخروج من أفق الغرب. وهنا يدعو إلى استلهام ثلاثة مفاهيم مركزية طورتها الحضارة العثمانية انطلاقاً من التراث الإسلامي: العدل، والحقانية، والرحمة.
فالعدل في التجربة العثمانية ليس انتزاع القوي لحقه، بل وضع كل شيء في موضعه الصحيح حتى لا يختل النظام. والحقانية إعطاء كل ذي حق حقه بلا زيادة ولا نقصان، وهي مختلفة عن المساواة الحديثة المجردة والصراعية لأنها ملموسة وعلائقية ومقاسة. أما الرحمة فهي التي تؤنسن المفهومين، فتمنع سحق الضعيف، وتربط القوة بالأخلاق. 
وقد حولت الدولة العثمانية هذه القيم إلى مؤسسات إدارية وقانونية، فاستطاعت عبر قرون أن تجمع شعوباً مختلفة الأديان واللغات والأعراق في إطار منتج للمعنى والقيمة. ويختم الكاتب بأن ما يبحث عنه الشباب والجماهير في فرنسا ليس مجرد أجور أعلى أو مبانٍ مدرسية أفضل، بل «نظام معنى قابل للعيش». 
والغرب عاجز عن توفيره لأن أنطولوجيته قائمة على العنف، بينما يقدم الميراث العثماني — الذي أثبتت تجربته في البلقان إمكانية النجاح — لغة حضارية تجمع بين القوة والرحمة، والنظام والعدل، والحقيقة والشفقة.
ويختتم قابلان بأن المباني البلدية المحترقة في فرنسا دليل على عجز الغرب عن إطفاء ناره بنفسه. فالماء الذي يطفئ هذا الحريق لا يأتي من عقل علماني أجوف ولا من هاجس هيمنة بلا رحمة، بل من تصور حضاري يعيد إحياء مفاهيم العدل والحقانية والرحمة. وإلا فإن الغرب سيظل يغرق في العنف الأنطولوجي الذي أنتجه.
 


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>