تحالف مكة يتجه إلى صيغة لعدم الاعتداء.. واجتماع طهران يفتح الباب أمام أمن إقليمي

ترك برس

تحالف مكة يتجه إلى صيغة لعدم الاعتداء.. واجتماع طهران يفتح الباب أمام أمن إقليمي

  • منذ 18 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ترك برس
في ظل استمرار الصراعات والتوترات الأمنية في الشرق الأوسط، تبرز تحركات إقليمية تهدف إلى الحد من المواجهات وبناء ترتيبات أمنية تتولى دول المنطقة مسؤوليتها، بدلاً من الاعتماد على القوى الخارجية. وفي هذا السياق، يرى محلل استراتيجي تركي أن اجتماع طهران الأخير أحدث تحولاً في قراءة ميثاق الدفاع المشترك الموقع في مكة، مشيراً إلى أن التحالف قد يتطور من اتفاق دفاعي إلى صيغة تضمن عدم اعتداء أعضائه بعضهم على بعض، بما يفتح المجال أمام إدارة التنافس والعداوات الإقليمية بدلاً من السعي إلى حسمها عسكرياً.
وقال المحلل الاستراتيجي الدكتور عثمان غازي قاندمير، في مقال بموقع «إندبندنت تركية»، إن اتفاقية الدفاع المشترك في مكة، التي وقعها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في 7 أغسطس/آب 2026، حُصرت منذ اليوم الأول في قراءة واحدة، تمثلت في الاعتقاد السائد بأنها أُنشئت لمواجهة إيران.
وأوضح أن هذه القراءة كانت تستند إلى أرضية قائمة، في ظل استمرار الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة التي يشنها الحوثيون المدعومون من إيران على الأراضي السعودية، فضلاً عن المادة التي تعتبر أي هجوم مسلح على أحد الأعضاء بمثابة هجوم على جميع الأعضاء، والتي كان من السهل تفسيرها باعتبارها درعاً يهدف إلى ردع طهران.
لكن الكاتب اعتبر أن اجتماع طهران في 26 أكتوبر/تشرين الأول زعزع هذه القراءة بصورة جدية، إذ جلس وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس هيئة الأركان العامة الباكستانية المشير عاصم منير، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي إبراهيم قالن، إلى طاولة واحدة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي.
ولفت إلى أن الاجتماع عُقد قبل يوم واحد من الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن بزشكيان أعلن دعم بلاده كل تفاهم من شأنه تعزيز أمن المنطقة، فيما وصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي اللقاء بأنه خطوة أولى محتملة نحو آليات أمنية تستند إلى مصالح دول المنطقة.
ويرى قاندمير أن المعنى الأساسي لمشهد طهران يتمثل في أن ميثاق مكة ليس اتفاقية دفاعية فحسب، بل هو أيضاً ترتيب لعدم الاعتداء، يربط الموقعين عليه بتعهد بعدم مهاجمة بعضهم بعضاً. وأشار إلى أن الدول المؤسسة تكرر منذ البداية أن الميثاق لا يستهدف أي دولة، وأنه مفتوح أمام الأعضاء الجدد الذين يلتزمون بمبادئه.
وأضاف أنه إذا انضمت إيران إلى هذا الهيكل في يوم من الأيام، فستكون ملزمة بعدم مهاجمة الأعضاء الآخرين لمدة عشر سنوات، كما ستقبل مسبقاً برد مشترك في حال أقدمت على مهاجمتهم.
واستحضر الكاتب مثالاً تاريخياً يتمثل في وثيقة هلسنكي الختامية الموقعة عام 1975، موضحاً أنها لم تُنهِ العداء بين حلف شمال الأطلسي «الناتو» وحلف وارسو، لكنها وضعت هذا العداء ضمن قواعد من خلال مبادئ عدم استخدام القوة وحرمة الحدود، ومنحت أوروبا إمكانية التنبؤ بمسار التطورات لفترة طويلة.
واعتبر أن المسار الذي يتجه إليه ميثاق مكة يشبه ذلك، فهو إطار لا يهدف إلى هزيمة الخصم، بل إلى إدارة العداء. وأوضح أن التعبير الأدق كان ينبغي أن يكون «المنافسة»، لكنه رأى أن استخدام كلمة «العداء» أكثر واقعية عندما يتعلق الأمر بتحالف عسكري.
لماذا يتجه التحالف نحو هذا المسار؟
وفي تفسيره لأسباب هذا التوجه، قال الكاتب إن تركيا والسعودية من بين أكثر الدول تأثراً بالحروب في المنطقة. فتركيا دفعت خلال السنوات الأربعين الماضية ثمن الصراعات الممتدة من العراق إلى سوريا، من خلال موجات الهجرة والإرهاب وإغلاق الأسواق.
أما السعودية، فتسعى إلى مواصلة مشروع «السعودية الجديدة» الذي أطلقه ولي العهد محمد بن سلمان في إطار رؤية 2030. وأوضح الكاتب أن تقليص الاعتماد على النفط وجذب الاستثمارات إلى السياحة والتكنولوجيا لا يمكن تحقيقهما إلا في بيئة لا تتساقط فيها الصواريخ، لأن رأس المال لا يتدفق إلى مناطق الحرب.
وأضاف أن المشهد لا يختلف كثيراً بالنسبة إلى إيران، التي عاشت منذ عام 1979 إما في خضم الحرب أو تحت تهديدها. واعتبر أن إيجاد أرضية إقليمية لعدم الاعتداء يمثل متنفساً لبلد يوجه موارده الوطنية إلى الدفاع عن نفسه تحت وطأة العقوبات المشددة.
وأشار إلى أن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي، وكون باكستان شريكاً موثوقاً لواشنطن، يزيدان من قيمة هذه القناة. ولفت إلى أنه في حال قبول المقترح الذي حمله منير إلى طهران، فإن الحديث قد يدور حول تولي دول ميثاق مكة، إلى جانب قطر، دور الضامن.
ورأى الكاتب أن مصر ستكون العتبة الأهم في حال توسع هذا الهيكل، لكنه دعا إلى أخذ هشاشة الوضع المصري في الحسبان. وأوضح أن مصر تعتمد منذ اتفاقية كامب ديفيد على المساعدات العسكرية الأمريكية السنوية وبرامج صندوق النقد الدولي ورؤوس الأموال الخليجية للحفاظ على اقتصادها.
وأضاف أن تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر بفعل هجمات الحوثيين أدى إلى تآكل إيرادات قناة السويس، مشيراً إلى أن هذه التبعية تقيد هامش تحرك القاهرة، لكنها تظهر أيضاً أنها من بين الدول الأكثر استفادة من الاستقرار الإقليمي.
وأشار قاندمير إلى أن سوريا، التي تحاول إعادة بناء مؤسسات الدولة بعد سقوط نظام الأسد، ولبنان الذي يواجه الانهيار الاقتصادي ومشكلة حزب الله، والأردن الذي يتحمل أعباء اللاجئين، تحتاج جميعها إلى الاستقرار نفسه. واعتبر أن انضمام هذه الدول إلى الهيكل من شأنه، على المديين القصير والمتوسط، أن يمنح المنطقة متنفساً، ويفتح المجال أمام التنمية، ويوقف على الأقل نزيف الدم.
من الذي قد ينزعج من هذا التوجه؟
وقال الكاتب إن من الواضح أن أعضاء التحالف لن يكونوا منزعجين من هذا المسار، ولذلك تتجه الأنظار إلى إسرائيل.
وأوضح أن وسائل الإعلام الإسرائيلية حاولت منذ البداية تقديم الميثاق باعتباره هيكلاً يبقى حبراً على ورق. وأشار إلى أن صحيفة «جيروزاليم بوست» شددت، بعد يومين من توقيع الاتفاقية، على أن هجوماً بطائرة مسيرة حوثية استهدف مصفاة أرامكو في جيزان، من دون أن يحدث أي شيء، وفق تعبيرها.
لكن الكاتب رأى أن مشهد طهران أضاف سؤالاً آخر إلى هذه الرواية، موضحاً أن الصراع بين الدول السنية وإيران الشيعية كان يمثل توقعاً استراتيجياً بالنسبة إلى بنية سياسية تعمل على توحيد مجتمعها حول الشعور بالتهديد والحرب. وطرح تساؤلاً عما إذا كانت إسرائيل ستتمكن من التحرك بالقدر نفسه من الارتياح في منطقة تنحسر فيها الحروب المحيطة بها.
أما على الجانب الأمريكي، فوصف قاندمير المشهد بأنه أكثر تعقيداً، مشيراً إلى أن ترامب يقول إن موعد اتخاذ القرار بشأن إيران يقترب، بينما يدخل انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني وسط دعم شعبي ضعيف.
وفي المقابل، لفت إلى أن توم باراك قال في الدوحة يوم 20 أكتوبر/تشرين الأول إن الترتيبات الأمنية القائمة على النفط مقابل الأمن لم تعد تتناسب مع احتياجات الولايات المتحدة، معلناً دعم واشنطن المبادرات الإقليمية، مثل ميثاق مكة.
ورأى الكاتب أن واشنطن ربما رغبت في البداية في تحول هذا التحالف إلى هيكل مناهض لإيران، وفي نقل عبء أمن المنطقة إليه، لكنه أشار إلى وجود تناقض في ذلك، متسائلاً عما إذا كان تحول الشرق الأوسط إلى منطقة سلام سيعني تقلص أحد أكثر الأسواق ربحية بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي تبيع الأمن.
وأوضح أن العلاقات القائمة على مبيعات الأسلحة والقواعد العسكرية ووعود الحماية لن تحتفظ بقيمتها السابقة في منطقة يتراجع فيها مستوى التهديد.
وبناءً على ذلك، اعتبر أن العامل الحاسم سيكون قدرة دول المنطقة على الحفاظ على تماسكها في مواجهة السياسات الأمريكية المتقلبة.
طهران أظهرت إمكانية مناقشة مشكلات المنطقة داخلياً
وفي تقييمه للمشهد الراهن، قال قاندمير إنه لا توجد صورة تستدعي الاستسلام للأحلام باسم السلام، ولا الوقوع في التشاؤم باسم الحرب. وأوضح أن انعدام الثقة لا يزال عميقاً، وأن الأطراف ما زالت تنظر بعضها إلى بعض بريبة، لكن الطاولة التي اجتمعت حولها الأطراف في طهران أظهرت أن المنطقة قادرة على مناقشة مشكلاتها بنفسها.
واختتم الكاتب مقاله بالقول: «سنراقب ونرى».


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>