من الإرث العثماني إلى القوة العالمية.. هل تملأ تركيا الفراغ الأمريكي في المنطقة؟

ترك برس

من الإرث العثماني إلى القوة العالمية.. هل تملأ تركيا الفراغ الأمريكي في المنطقة؟

  • منذ 3 ساعة
  • العراق في العالم
حجم الخط:
ترك برس
بعد قرن من انهيار الدولة العثمانية، تعود تركيا إلى واجهة النقاش حول مستقبل القوى العسكرية الكبرى، لكن هذه المرة عبر الصناعات الدفاعية الحديثة والانتشار العسكري الخارجي، لا من خلال التوسع الإمبراطوري. فمع تصاعد التساؤلات بشأن مستقبل الهيمنة الأمريكية، يبرز سؤال استراتيجي: هل تمتلك أنقرة المقومات التي تؤهلها لشغل مساحة أكبر من النفوذ في النظام الدولي الجديد؟
هذا التساؤل طرحه تقرير تحليلي نشرته "الجزيرة نت" مطلع تشرين الثاني/نوفمبر 2026، بعنوان «سوابق الغزو وتحطيم الحدود.. الجيوش الأربعة التي تستنفر لملء الفراغ الأمريكي»، تناول فيه الكاتب سيد أحمد الخضر صعود القدرات العسكرية في تركيا والصين وألمانيا واليابان، في ظل التحولات التي يشهدها ميزان القوى العالمي.
ووضع التقرير تركيا ضمن الدول التي تسعى إلى توسيع استقلاليتها الاستراتيجية، مستفيدة من تنامي قدراتها الدفاعية، وخبرتها التاريخية، وموقعها الجغرافي عند تقاطع أوروبا وآسيا والشرق الأوسط.
من التاريخ العثماني إلى الاستقلال العسكري
استعرض التقرير الإرث العسكري للدولة العثمانية، التي امتد نفوذها عبر ثلاث قارات، باعتباره خلفية تاريخية لفهم خصوصية التجربة التركية مقارنة بالقوى الأخرى التي تناولها.
ورأى الكاتب أن تركيا، ولا سيما خلال حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، اتجهت نحو استعادة دور أكثر تأثيراً خارج حدودها، بعد عقود ارتبطت فيها أولوياتها الأمنية بصورة وثيقة بحلف شمال الأطلسي «الناتو».
غير أن ملامح هذا الصعود تختلف عن التجربة العثمانية، إذ تستند السياسة التركية المعاصرة إلى بناء قدرات عسكرية وطنية، وتعزيز الصناعات الدفاعية، وتطوير شراكات أمنية تسمح لأنقرة بتوسيع هامش تحركها في القضايا الإقليمية والدولية.
الصناعات الدفاعية بوابة النفوذ
وتبرز الصناعات العسكرية باعتبارها أحد أهم مرتكزات هذا التحول، بعدما أصبحت تركيا من الدول البارزة في تطوير المسيّرات المسلحة وتصديرها.
واستعرض التقرير منظومات «بيرقدار» و«أكينجي» و«العنقاء»، إلى جانب مشروع المقاتلة الوطنية «كآن»، والسفينة الحربية «تي سي جي أناضولو»، وبرامج تطوير الغواصات والفرقاطات.
وبحسب الأرقام التي أوردها، يحتل الجيش التركي المرتبة التاسعة عالمياً والثانية من حيث الحجم داخل حلف الناتو، فيما تجاوزت نسبة الاعتماد على الصناعات الدفاعية المحلية 80%.
ويعكس تطوير هذه المنظومات توجهاً تركياً نحو تقليل الاعتماد على التسليح الخارجي، وتعزيز القدرة على اتخاذ القرارات العسكرية دون الارتهان الكامل للموردين الدوليين.
حضور عسكري يتجاوز الحدود
ولم يعد تطور القوة التركية محصوراً داخل أراضيها، إذ وسعت أنقرة حضورها العسكري والأمني عبر عمليات واتفاقيات وشراكات دفاعية في عدد من الساحات.
وأشار التقرير إلى أدوار القوات التركية في سوريا وشمال العراق وليبيا والصومال، بوصفها شواهد على اتساع نطاق النشاط العسكري التركي خارج الحدود.
وتختلف طبيعة هذه الأدوار بين عمليات مرتبطة بالأمن القومي ومكافحة الإرهاب، ومهام تدريب وتأهيل القوات المحلية، والتعاون الدفاعي مع الحكومات الشريكة.
ويمنح هذا الانتشار تركيا أدوات تأثير إضافية، لكنه يضعها أيضاً أمام تحديات تتعلق بكلفة الالتزامات الخارجية وتعقيدات التنافس الإقليمي.
هل تستطيع تركيا ملء الفراغ الأمريكي؟
رغم التطور العسكري التركي، يبقى الانتقال من قوة إقليمية مؤثرة إلى قوة عالمية قادرة على تعويض النفوذ الأمريكي مسألة أكثر تعقيداً.
فالتفوق العسكري وحده لا يكفي لصناعة قوة عالمية؛ إذ يتطلب ذلك اقتصاداً واسعاً، وقدرات تكنولوجية متقدمة، وشبكات تحالفات دولية، وموارد تسمح بالحفاظ على انتشار عسكري طويل الأمد.
وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن الاقتصاد التركي لا يزال أصغر من اقتصادات الصين وألمانيا واليابان، رغم ما حققته أنقرة من تقدم في التصنيع الدفاعي.
ومن ثم، فإن تراجع الدور الأمريكي، إن استمر، لا يعني بالضرورة انتقال موقعه إلى دولة واحدة، بل قد يفتح المجال أمام نظام دولي تتوزع فيه مراكز القوة والنفوذ.
وبالنسبة إلى تركيا، تبدو الفرصة الأبرز في توسيع استقلاليتها الاستراتيجية وتعزيز حضورها في المناطق المحيطة بها، وليس في الحلول محل الولايات المتحدة بوصفها قوة عسكرية عالمية.
وهكذا، فإن السؤال الذي يطرحه الصعود التركي لا يتعلق بعودة الإمبراطورية العثمانية، بل بمدى قدرة الجمهورية التركية الحديثة على تحويل تقدمها العسكري والصناعي وانتشارها الخارجي إلى نفوذ سياسي واقتصادي مستدام، في عالم تتغير فيه موازين القوة والتحالفات.


عرض مصدر الخبر



تطبيق موسوعة الرافدين



>