الحكومة العراقية تُلاحق المتلاعبين بالأسعار وتنشر لجاناً بالأسواق
دفع النشاط المتصاعد في الأسواق العراقية مع حلول شهر رمضان، السلطات الحكومية إلى تشكيل لجان مراقبة على الأسعار التي يقول العراقيون إنها تخضع لتلاعب كبير من قبل التجار. واليوم الجمعة، قال المتحدث باسم وزارة التجارة العراقية، محمد حنون، لـ"العربي الجديد"، إن لجنة مشتركة من وزارة التجارة وأجهزة الأمن، شكلت لمتابعة أسعار السلع الغذائية في الأسواق التجارية خلال شهر رمضان المبارك.
وأضاف أن اللجنة المشكلة تعمل في مختلف مدن العراق، لملاحقة التُجار الذين يقومون باستغلال المواطنين والتلاعب بالأسعار ونوعيات المواد الغذائية.
ومنذ أيام تنتشر فرق الأمن بصحبة موظفين من وزارة التجارة في بغداد والأسواق الرئيسة بالمدن والمحافظات العراقية، لمراقبة الأسعار.ووفقاً لمصادر أمنية عراقية فقد تم إيقاف عدد من التجار بتهمة التلاعب بالأسعار واستغلال حاجة الناس لبعض المواد والسلع الغذائية.
لكن هذه الإجراءات الحكومية، لم تمنع من رفع أسعار الكثير من السلع الغذائية، حيث يتذرع التجار بانخفاض قيمة الدينار العراقي، وتكلفة الوقود والنقل بين المحافظات والمدن العراقية، إلى جانب وباء الحمى القلاعية الذي ضرب قطاع المواشي منذ أسابيع، الذي رفع أسعار اللحوم لما يعادل نحو 15 دولارا لكيلو اللحم.
ويقول حسن علي، وهو رب أسرة يعيل أربعة أطفال، "في كل سنة نستعد لشهر رمضان رغم الظروف الصعبة، لكن هذه السنة الأسعار ارتفعت بشكل ملحوظ، وأن أسعار الزيت والسكر والعدس، وحتى الطحين، كلها ارتفعت مع تأخر استلام مفردات الحصة التموينية الشهرية المقدمة من الحكومة". وأضاف علي لـ"العربي الجديد"، "كنا نشتري هذه المواد قبل أشهر من اقتراب شهر رمضان بأسعار معقولة، أما الآن فنحتاج إلى ضعف الميزانية لتغطية الاحتياجات الأساسية"، مؤكداً، "أن الراتب الشهري يكاد يكفي للإيجار والمصاريف الاعتيادية، فما بالك بمستلزمات شهر كامل؟".
من جانب آخر، عبر ماهر عبد الكريم، وهو من ذوي الاحتياجات الخاصة، عن معاناته قائلاً: "الأسواق مليئة بالبضائع لكن الأسعار مرتفعة، مضيفاً، "كل سنة أحاول أشتري احتياجات بسيطة لأطفالي حتى يشعروا بفرحة رمضان، لكن هذا العام بالكاد أستطيع شراء الضروريات فقط". وشدد عبد الكريم، على ضرورة تشديد الدولة للجانب الرقابي وتدخلها لمنع التجار من رفع الأسعار وتقديم المساعدات للأسر الفقيرة، لأن الحياة أصبحت أصعب مع استمرار الغلاء.
في الوقت الذي يعاني فيه المواطنون من الأزمة، يؤكد مختصون أن التضخم وارتفاع تكاليف الاستيراد سيؤدي إلى المزيد من الضغوط على الأسر ذات الدخل المحدود، وسط مطالبات بتشديد الرقابة على الأسواق وضمان وصول السلع بأسعار مدعومة خلال الشهر الكريم. وقال الباحث الاقتصادي، علي العامري، إن أزمة ارتفاع الأسعار مع اقتراب شهر رمضان مرتبطة بعدة عوامل اقتصادية محلية ودولية، أبرزها الاعتماد الكبير على الاستيراد وضعف الإنتاج المحلي. وأضاف، لـ"العربي الجديد"، أن العراق يعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من 70% من احتياجاته الغذائية، مما يجعله عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية، ومع ارتفاع سعر صرف الدولار وزيادة تكاليف الشحن العالمية، ارتفعت أسعار المواد الغذائية المستوردة بشكل مباشر.
وأشار العامري، إلى أن ضعف الرقابة الحكومية على الأسواق ساهم في تفاقم المشكلة، حيث يستغل بعض التجار هذه الظروف لرفع الأسعار بشكل غير مبرر. وأكد، أنه من غير الممكن تجاهل تأثير الفساد وسيطرة المكاتب الاقتصادية التابعة للأحزاب السياسية والميليشيات على السوق، والتي تهيمن على عمليات الاستيراد والنقل والتوزيع، مما يعزز الاحتكار والتلاعب بالأسعار.
وأفاد العامري، أن الفساد في العراق يعوق بشكل كبير جهود الحكومة في توفير السلع بأسعار معقولة، حيث تسيطر جهات متنفذة على العديد من القنوات التجارية وتستغل ضعف الرقابة لضمان أرباح طائلة، وأن هذا الفساد يعزز من الظروف التي تجعل السوق غير مستقر.
وطالب الحكومة باتخاذ إجراءات عاجلة، مثل توفير سلة غذائية مدعومة للفئات ذات الدخل المحدود، إلى جانب تفعيل الرقابة على الأسواق بشكل مكثف بعيداً عن المحسوبية للحد من الاحتكار، كما شدد على العمل في دعم المشاريع الزراعية المحلية لتحقيق الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الأساسية. وشدد العامري، على ضرورة أن تكون هناك خطة اقتصادية شاملة على المدى الطويل لتحفيز الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الاستيراد، مع إصلاحات حقيقية في النظام الرقابي لمكافحة الفساد.
استقرار السوق
وقال نائب رئيس غرفة تجارة بغداد، حسن الشيخ، إن الأسواق العراقية في شهر رمضان هذا العام أكثر استقراراً من العام الماضي، بسبب افتتاح أسواق (الهايبر ماركت) واخذ احتياطات الحصة التموينية والحصص الخاصة بالرعاية الاجتماعية التي انعكست بشكل ملحوظ. وبين الشيخ لـ"العربي الجديد"، أن ما تعانيه السوق اليوم يأتي بسبب عدة عوامل، من بينها انكماش القطاع الخاص نتيجة للمتغيرات في المنطقة والأوضاع التي شهدتها سورية فضلاً عن أزمة الدولار التي يعاني منها التجار وتأثير المنصة الإلكترونية عليهم، بالإضافة الى الضرائب والرسوم الجمركية. وأكد، أن السوق تعاني من الضغط السياسي الذي يفرضه البنك الفيدرالي الأميركي على الحوالات النقدية، إلا أن الدولة أخذت الاحتياطات اللازمة ووفرت مفردات البطاقة التموينية لسد حاجة المواطنين. وأضاف الشيخ، أن التضخم الحاصل لم يؤثر كثيرا على مستويات الأسعار، وأن الارتفاع الذي تشهده الأسواق هو ارتفاع طبيعي، نتيجة للعوامل الاقتصادية وارتفاع سعر صرف الدولار. وتحدث، عن أن القدرة الشرائية للمواطنين لم تتغير، إلا أن الحالة المعيشية أصبحت متطلباتها أكثر، بحيث لا تغطي المرتبات والأجور الشهرية سد احتياجات ونفقات المواطنين اليومية، وكلما تتوسع متطلبات الحياة كلما تزيد الضغوط على مستويات الدخل.