الجفاف يكبّد مربي النحل في العراق خسائر كبيرة
تشهد تربية النحل في العراق تراجعاً ملحوظاً نتيجة مجموعة من العوامل البيئية والاقتصادية، ما دفع العديد من النحالين إلى التخلي عن المهنة أو الانتقال إلى مناطق أكثر ملاءمة، مثل شمال العراق، لمزاولة عملهم. وأظهرت أرقام وزارة الزراعة العراقية، أن الإنتاج السنوي من العسل بلغ خلال العام الماضي 850 طناً، وهو رقم أقل بكثير مما كانت تسجله البلاد قبل سنوات، حيث كان يصل إلى سبعة آلاف طن، فيما بلغ عدد النحالين حوالي ستة آلاف شخص.
ورغم المكان الذي شغله العراق في مجال صناعة العسل وتربية النحل، خلال العقود الماضية، إلا أن التحديات التي تواجه قطاع تربية النحل باتت تهدد استمراريته. ويؤكد الخبير البيئي، صالح الشمري، أن التغيرات المناخية تلعب دوراً كبيراً في تراجع أعداد النحل وإنتاج العسل في العراق.
ويشير الشمري في حديثه لـ"العربي الجديد" إلى أن ارتفاع درجات الحرارة وقلة الأمطار الذي يعاني العراق منها خلال العقد الأخير تسببا في فقدان مساحات واسعة من الغطاء النباتي الذي يشكل المصدر الرئيسي لرحيق الأزهار، ما أدى إلى تراجع أعداد خلايا النحل وصعوبة بقائها. ويضيف الشمري أن الاستخدام المفرط للمبيدات الزراعية يُعتبر أحد الأسباب الرئيسية لنفوق أعداد كبيرة من النحل؛ مما يؤدي إلى تراجع أعداده وانخفاض إنتاج العسل بشكل كبير.
بدوره، يرى الخبير البيئي أحمد حسن، أن النحل يلعب دوراً محورياً في التوازن البيئي الذي بات مهدداً في العراق، لافتاً إلى أن هذه الحشرات تساهم في تلقيح النباتات وزيادة إنتاج المحاصيل الزراعية. وأوضح حسن لـ"العربي الجديد" أن تراجع أعداد المناحل أثر مباشرة على الإنتاج الزراعي، لا سيما في المحاصيل التي تعتمد على التلقيح الطبيعي، مثل الفواكه والخضروات. وأكد أن "تردي الظروف البيئية في العراق يجعل من تربية النحل ضرورة حتمية للحفاظ على التوازن البيئي وتعزيز التنوع الحيوي". ويرى حسن أن الحل يكمن في "دعم الدولة لمربي النحل وتشجيع المواطنين على تبني هذه المهنة، عبر تقديم حوافز زراعية واقتصادية، وذلك لضمان استمرار دور النحل في حماية البيئة ودعم الزراعة المستدامة في العراق".
ويبلغ متوسط إنتاج الخلية الواحدة بين 20 إلى 30 كيلوغراماً، وهو ما يعدّ ضعيفاً بحسب الخبير الزراعي عباس الدهلكي، الذي يؤكد لـ"العربي الجديد" أن تراجع إنتاج العسل في العراق أثر سلباً على القطاع، حيث باتت تكاليف الإنتاج مرتفعة مقارنة بالأرباح التي يجنيها النحالون. ويشير الدهلكي إلى أن غياب الدعم الحكومي وقلة الحوافز الاقتصادية دفع العديد من النحالين إلى التخلي عن مهنتهم، مبيناً أن "النحالين أصبحوا يعتمدون على خبراتهم وتعاونهم فيما بينهم لاستمرار مهنتهم التي تتعرض لتهديد بسبب التغيرات البيئية والإهمال الحكومي".
ويلفت إلى أن أغلب الذين اتجهوا لممارسة تربية النحل هم المزارعون الذين يملكون مساحات، في مسعى للحفاظ على مزارعهم مع ما يعانيه قطاع الزراعة من تدهور هو أيضاً نتيجة ظروف مختلفة أهمها التغيرات المناخية.
وبات الحفاظ على النشاط تحدياً بالنسبة للكثير من النحالين العراقيين، لذلك كان عليهم الاختيار بين تركها أو المجازفة بمواصلة ممارستها واختيار بدائل أخرى. لذلك فضل كثيرون منهم اللجوء إلى أماكن مثالية لاستمرار مهنتهم التي لا يرون فقط أنها توفر دخلاً جيداً لكنها "الهواية المحببة، وصداقة النحل الذي أصبح جزءاً من الأسرة" بحسب ما يؤكد النحال معاذ يوسف.
قال يوسف (43 عاماً) لـ"العربي الجديد" إنه قضى أكثر عمره مع النحل، وهو ما جعله يفارق مدينته الأنبار (غرب) والتوجه إلى السليمانية (شمال) للحفاظ على منحله. وأضاف: "في السابق، كنا نربي النحل داخل قرانا التي كانت تتميز بوجود زراعة دائمة، سواء أشجار الفاكهة أو المحاصيل الموسمية، ما كان يتيح لنا إنتاج أنواع متعددة من العسل وفقاً لتنوع المزروعات".
وتابع: "أما اليوم، فقد أصبحنا رحّالة نبحث عن المناطق دائمة الخضرة أو التي تشهد زراعة مستمرة، ولهذا اضطر العديد من النحالين، وأنا من بينهم، إلى الانتقال نحو الشمال في مدن السليمانية وأربيل ودهوك والموصل".
ينتقد يوسف الممارسات الخاطئة التي يلجأ إليها النحالون الباحثون عن الربح دون مجهود ببقائهم في مناطق يصفها بأنها لم تعد مناسبة لتربية النحل، لافتاً إلى أنهم يعتمدون على التغذية الصناعية لتعويض نقص المراعي الطبيعية، التي تلحق أضراراً بالنحل.
يشير إلى تحدٍ آخر يتمثل في تلوث الأجواء، الذي أدى إلى "صعوبة الحفاظ على سلالة النحل، مما دفع المربين إلى البحث عن بيئات أنظف، مثل المناطق الصحراوية أو الشمالية، لإجراء عمليات تلقيح الملكات". ويلفت إلى أن أسعار العسل الطبيعي تتراوح بين 50 و100 ألف دينار (38 إلى 76 دولاراً) حسب نوعية الأزهار التي يتغذى عليها النحل، وهي أسعار يصفها بالمناسبة للنحالين، لكنه أعرب عن استغرابه من وجود منتجات عسل تباع في الأسواق بأسعار منخفضة تتراوح بين 5 آلاف و20 ألف دينار (من 3.8 دولارات إلى 15 دولاراً)، مشيراً إلى أن ذلك غير منطقي، بل يثير الشكوك حول جودة المنتج ومكوناته.