لم تكن سندس مجرد ناشطة، بل كانت جسرا عبر فوقه آلاف النازحين نحو ضفة الأمل، في وطن عانى ويلات الحروب والإرهاب، وقاوم ليصمد في وجه الحياة وأعدائها.
في وقت كانت البنادق تفتح فوهاتها لتنهي حياة الأطفال والنساء والشيوخ، كانت بعض الأيادي تمتد ولو بشربة ماء تنقذ طفلة هربت من جحيم التنظيمات الإرهابية، في بلاد الرافدين التي انتصرت للحياة وللأطفال على "الأجساد المفخخة"، بحسب مراسل "
سبوتنيك".
حينما انتصف العام 2014، شهدت الموصل أول موجة نزوح إثر سيطرة تنظيم "داعش الإرهابي" ( المحظور في سوريا)على مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق، حيث فرت العائلات باتجاه إقليم كردستان ومدن أخرى، الأمر الذي شكل أزمة إنسانية حينها دفعت المؤسسات الرسمية والأهلية لمد يد العون بالمساعدات للفارين من جحيم "داعش" الإرهابي.
سندس سالم، فتاة عراقية، دفعتها مشاهد الأطفال والنساء والأسر الهاربة من جحيم التنظيم للبحث عن أي سبيل تمد عبره يد العون، ولو بـ"قطرة ماء".
"كاد الناس يموتون عطشا".. هذا المشهد الذي دفع سندس للبدء على الفور من أجل مساعدة الناس رفقة بعض الأصدقاء حينها، لتستمر لنحو 12 عاما في العمل الإنساني، رغم التهديدات والمخاطر والتحديات التي واجهتها طيلة لأكثر من عقد، خاصة قبل سقوط التنظيم الإرهابي" داعش" الإرهابي (المحظور في روسيا وعدد من الدول)، وانتشاره في
العراق.
في صيف عام 2014 القاسي، بدأت موجات النزوح الأولى من الموصل، لم يكن النازحون يبحثون عن ترف، بل عن "قطرة ماء" توهب أطفالهم الأمل في الحياة، لم تقف سندس مكتوفة الأيدي، انطلقت مع مجموعة من الأصدقاء في حراك عفوي، يجمعون "الفراش والوسادات" والملابس والمواد الغذائية، ليرسلوها إلى أولئك الذين هجروا بيوتهم قسرا باتجاه إقليم كردستان، تلك البداية كانت بمثابة شرارة صغيرة في ليل العراق الطويل.
على مدار نحو عام، جمعت سندس كل ما أمكن جمعه من الأصدقاء والمتبرعين، وأرسل للنازحين، ليخفف عنهم ظلام المشهد وقسوة حرارة شمس يونيو/ حزيران.
مع حلول عام 2015، وتحديدا بعد تحرير الجزء الشمالي من سنجار، كانت سندس من أوائل الواصلين إلى "مزار شرفدين"، هناك، حيث كانت العوائل لا تزال محاصرة، تعيش واقعا مريرا وتجهل مستقبل تغيب ملامحه.
افتتحت حينها مدارس "الكرفانات" للأطفال لإعادتهم إلى مقاعد التعليم، كما استمرت القوافل المحملة بالألعاب، وحليب الأطفال، وحفاظات الرضع، والمستلزمات الضرورية، لم يكن العطاء ماديا فحسب، بل امتد ليشمل أجسادا أنهكها المرض؛ إثر حرارة الخيام، وغياب البيئة الملائمة، حيث ساهمت سندس رفقة المتطوعين في تنظيم العديد من العمليات الجراحية (للعيون والباطنية) وعلاج الأمراض الجلدية التي نهشت أجساد النازحين في المخيمات والعشوائيات المحيطة بدهوك.
في عام 2017، واجهت سندس الاختبار الإنساني الأقسى، التقت بالدفعة الأولى من الأطفال الذين تحرروا من قبضة "داعش"، أطفال تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعاشرة، لكن عقولهم كانت قد سجنت في أقبية فكرية مظلمة، بعد أن زرع التنظيم فيهم كل الأفكار المتطرفة.
تصف سندس تلك اللحظات بحرقة: "كانت صدمة بالنسبة لي.. كيف أتعامل مع أطفال كانوا سجناء لدى التنظيم؟"، هؤلاء الأطفال الذين استخدموا كدروع بشرية، والذين تدربوا في معسكرات تحت الأرض على حمل السلاح، والذين كانوا يُكافأون بـ "قنابل يدوية" (رمانات) إذا حفظوا آيات من القرآن، هذا ما ورد على لسانهم خلال جلسات الحديث الشحيحة".
تستذكر سندس أن الأطفال الذين لم يبلغوا العاشرة بعدما كانوا يعتبرونها" سافرة"، على حد وصفهم، لأنها دون حجاب، كما كانوا يتعاملون مع الجميع بإشمئزاز وتساؤلات كثيرة".
بين آلاف الوجوه، تتذكر سندس، قصة
طفلة من سنجار لم تتجاوز السابعة عشرة من عمرها، لكنها تحمل على عاتقها وقار الجبال وحزنها، إذ فقدت هذه الفتاة والديها أثناء النزوح، ووجدت نفسها فجأة مسؤولة عن إخوتها الصغار.
تتحدث سندس بنبرة يملؤها الفخر الممزوج بالألم عن هذه الفتاة التي تتكفلها هي وفريقها منذ سنوات، حيث لا تزال تعيش مرارة النزوح في الإقليم،
تصارع الحياة لتكبر مع إخوتها في ظل غياب السند والدار.
على مدار سنوات العمل، لم يكن طريق سندس معبدا بالورود، فلطالما كانت نقاط التفتيش (التمركزات الأمنية) تقف حائلا بينها وبين المحتاجين، حيث كانت تقضي الساعات الطويلة في الاستجواب والتفتيش الدقيق لكل قطعة مساعدة تحملها، "سين وجيم.. ومن أين ولماذا؟".
أما اليوم، فيبدو التحدي مختلفا، إذ تآكلت التبرعات بفعل الوضع المعيشي المتدهور وغلاء الأسعار وارتفاع سعر صرف الدولار.
تقول سندس "المتبرع موظف بسيط، واليوم بات العطاء أصعب.. كانت حملاتنا تصل لأربع مرات في السنة، اليوم بالكاد مرة أو مرتين". ومع ذلك، ورغم سفر أغلب أصدقائها الذين بدأوا معها الرحلة إلى خارج العراق، ظلت سندس مرابطة في خندق الإنسانية.