لم أمت بعد، رغم تيبس جلدي على عظمي، ورغم تلاشي قدرتي على الحركة والنطق أيضًا. أنا “زوزان خوديدا مراد”، الطالبة في الصف الثاني عشر الإعدادي، الطويلة الهيفاء ذات العيون الصفراء والشعر المرتب دائمًا بتسريحة ذيل الحصان. نعم، أنا زوزان لم أمت بعد. أسمع خطوات قدوم أحدهم، وأسمع طقطقة ارتطام طيور الحمام بجدران الكابينة المقابلة لكابينتي، وهي تحاول النجاة من القبض عليها وذبحها. لقد رأيت منظر ذبح طيور الحمام منذ اليوم الأول الذي حللت فيه هنا قبل عدة أسابيع، ورأيت النساء المنقبات ينتفن ريش الحمام المذبوح وهن يقمن بإعداد الطعام. أسمع ابتعاد خطوات خاطف الحمام، وأسمع صوت غلق باب السطح، وأصغي إلى هديل الحمام ينادي أحبابه الذاهبين دون رجعة. يا لشقاء الحمام، ويا لشقائي.
أشم رائحة جلدي المتيبس، أشم رائحة أنفاسي التي تفوح منها رائحة قيح جروح قلبي وفراغ أحشائي، أشم الرائحة النتنة المنبعثة من الأقفاص المهجورة المعلقة على الجدران. نعم، لم أمت بعد! فجأة، ولأول مرة منذ أن سجنوني هنا، يفتح باب الكابينة. تهب نسمات هواء الصباح على وجهي، تريدني أن أستنشقها وتدخل في جسمي وتذوب في دمي. هي حقي وحصتي من الأكسجين، تأتي لتحييني لأعيش. ولكن لمن ومع من أعيش؟! أنا المهجورة مثل هذه الأقفاص، بلا أهل وبلا أحباب! ركلة قوية تأتيني على رأسي، أفتح عينيَّ وأرى اثنين من الدواعش يحدقان في عينيَّ.
ودون أن ينبسا ببنت شفة، انحنى كل منهما على جانب من البطانية التي كنت أستلقي عليها، وعقد أحدهما نهايتها من جانب رأسي والآخر من جانب قدمي، ثم قبض كل منهما على العقدة التي عقدها بقبضة يده اليمنى ورفعاني من على الأرض، وسارا بي خارج الكابينة. وللمرة الثانية، يقع بصري على بيت جاري في السطوح، على كابينة الحمام. كنت قد لمحتها للمرة الأولى عندما أتى بي أحدهم يقودني وهو يضربني على ظهري بفوهة بندقيته ويركلني كلما كبوت وأدخلني إلى الكابينة المقابلة لكابينة الحمام. سرب من الحمام يطير ويحلق فوق رأسي، ويصفق بجناحيه. وهذان الداعشيان المتشابهان يحملاني. والحقيقة، كل الدواعش يتشابهون في بشرتهم الممسوخة ولحاهم وشواربهم القذرة ودشاديشهم القصيرة وسراويلهم المخزية.
يسيران بي هذان الداعشيان إلى باب السطح، يغلق الباب في وجه الحمام، وينزلان بي من على الدرج. انكمشت داخل العباءة السوداء التي يُلزمونني بارتدائها منذ اليوم الأول لاختطافي، حيث أمر أحدهم امرأة منقبة بالسواد مكلفة بخدمتي قائلاً: – اهتمي بها، ألبسيها عباءة تخفي مفاتنها. لا أريد أن يرى مفاتنها غيري أبداً، أياً كان. وألبسيها دائماً الجديد من العباءات، أجملها وأغلاها عندما أريدها. – أمرك، أميري أبو سيف. ترد العفريتة، والتي كانت تقول لي بين الحين والآخر: – أنت غبية، أنت مجنونة. ترفضين معاشرة الأمير أبو سيف، الذي تتمناه كل امرأة؟! حتى حوريات الجنة ستتنافس عليه! – اسكتي، اسكتي أيتها الــ… وانهال بالشتائم والمسبات عليها بلغتي الكردية السنجارية، وأمزق العباءة بيدي وأسناني. فكانت تردف قائلة: – أتحملك تنفيذاً لأوامر الأمير، ريثما يهديه الله ويقطع رأسك، ويعود لي ولي وحدي! يسيران بي هذان الداعشيان خارج المنطقة السكنية التي تتناثر فيها مجموعة من البيوت الصغيرة من الطابوق الإسمنتي المكشوف، لا يتجاوز عددها العشرين بيتاً.
وكان الحمام في انتظاري أمام الدار، ورافقني طوال الطريق وهو يلعب معي لعبة الغميضة من نوع خاص، إذ يؤدي هو دور الاختفاء والظهور. يراني ويصفق بجناحيه بأنه الفائز، ويعود مختبئاً في السماء. إنها العشرة والجيرة، حيث كنت جارة لهم فوق السطوح. فهل يسعى الحمام لإدخال الفرحة إلى قلبي؟ هل هو العطاء والأخذ الكوني، إذ كنت أتألم وهم يخطفون ويذبحون ويأكلون أهله وأحبابه؟ هل أصدق حب الحمام لي أم أشك في حبه، وبأنه بكل الأحوال سيكون مع الدواعش وليس معي؟ يمر بذاكرتي يوم الهجوم علينا عندما أمر “الداعشي” جارنا المسلم العربي وهو يشير إلى أمي: – لقد اخترت هذه لي، فخذها إلى السيارة فوراً. يمتثل جارنا، ويجر أمي من يديها. ترمي أمي بنفسها على الأرض، تتشبث وتحاول الالتصاق بأرضية بيتنا، تبسط راحتي يديها على البلاط وتتشبث به. يسحلها جارنا سحلاً، فيما كان أبي المكبل اليدين والرجلين وسط مجموعة من المسلحين يصرخ بصوت يشق الأرض والسماء: – أنت؟ أنت تأخذ أم نوزاد يا حقير يا خائن؟! أنت كريفي، أنت جاري؟!! أنت تأخذ أم نوزاد؟! يواصل أبي الصراخ: – اعتقدت أنك أتيت لتنصرنا! اعتقدت أنك ستمزق رايتهم المكتوب عليها “محمد رسول الله” لنصرة نبيك محمد.
ألم تكن تقول دوماً أن نبيك محمد أوصاكم بالجار كثيراً؟! لا أعلم كم من الزمن مضى على مجيئي، لكنني أحس أن حرارة فصل الصيف قد انتهت تماماً. لا أرى غير أرض جرداء، ولا أرى أشجاراً تساقطت أوراقها لأقول لكم إنه فصل الخريف! يبدو أننا وصلنا إلى الجهة المقصودة. وضعوني على الأرض قريباً من عدد من السيارات العسكرية، حيث يقف عدد من الدواعش. تماديت ببصري، فعرفت أنني في مقبرة تنتشر فيها عشرات القبور، منها مسكونة ومنها من تنتظر. تقدم أحدهم، وعرفته، إنه “أبو سيف”. وقال آمراً: – أعطوني السكين. سيذبحني هذا الذي اختارني لنفسه، وحاول اغتصابي مرات ومرات.
قاومته بضربي وببصقي على وجهه، وبمسباتي وشتائمي بلغتي الكردية. فكان يتركني وهو يحاول ترتيب هيئته قبل الخروج مذلولاً مكسوراً، وهو مصاب بالذهول والخرس! ناولَه أحدهم سكينة كبيرة أخرجها من حزامه، وحدق أبو سيف بحقد وانتقام في عيني وهو يلوح بالسكينة أمام عيني، ثم أردف قائلاً شامتاً: – لم يبقَ فيكِ شيء يستحق جهد ذبحك بالسكين.
بيده التي تحمل السكين وهو يقول: – ارمونها في القبر، وسأطلق عليها سيلاً من الرصاص بنفسي، ولا تكثروا من تغطيتها بالتراب ليتسنى للكلاب نهش جلدها وعظمها! حملني أحدهم ورماني مع البطانية في الحفرة! أنا زوزان خوديدا مراد، سيطلق أبو سيف عليَّ كثيراً من الطلقات النارية إلى أن يشفي غليله مني، يميتني بأبشع صورة. لكنني أراه موتاً فيه نصر وشرف وكرامة لكل بنات بلدتي سنجار! وانهال الرصاص، وتمزقت روحي، وبصري يتابع الحمام وهو يطير بعيداً، بعيداً جداً في أعماق السماء، ويغيب، وتغيب معه السماء.